الإذاعات الخاصة والاستعمار اللغوي

مصطفى المسناوي- جريدة المساء

باتت الإذاعات الخاصة بالمغرب تطرح مشكلا في غاية الخطورة، لا يدري المرء معه ما إذا كان حله يدخل ضمن اختصاصات الهيئة العليا للسمعي البصري أم يتعداها ليدخل ضمن صلاحيات الحكومة والبرلمان، وإن كان مؤكدا، مع ذلك، أنه يندرج ضمن اهتمامات الهيئات الثقافية والسياسية المغربية التي يتعين عليها أن تتصدى له بحزم في أفق حله وتجاوزه.

يتعلق الأمر، تحديدا، بما يمكن أن نسميه «فتح المجال لإعادة استعمار المغرب من جديد»، حيث إن هذه الإذاعات الخاصة التي تحمل نعت وصفة «مغربية» صارت تفتخر بإعلان تبعيتها للغة والثقافة الفرنسيتين انطلاقا من لغة الحديث والحوار والاختيارات الغنائية، ومرورا بـ«نقل» عدد من البرامج مباشرة من إذاعات فرنسية، وانتهاء بتغطية الحياة الفنية والثقافية والإعلامية بفرنسا دون ذكر اسم هذا البلد، وكأن المستمع المتابع لبرامج هذه الإذاعات يقطن بإحدى المدن أو القرى الفرنسية وليس بمدن المغرب وقراه.

بل، أكثر من ذلك، صارت بعض هذه الإذاعات «تحرض» على استعمال اللغة الفرنسية كبديل للغة البلاد الرسمية (كما هي في نص الدستور، الذي لم يتم تغييره بعد في ما نعلم) وهي اللغة العربية.

ففي إحدى الإذاعات، مثلا، ودون ذكر اسمها لأنها كلها مستنسخة من بعضها بعض، يتصل المستمعون بإحدى المذيعات متحدثين باللغة العربية الدارجة (التي يفهمها المغاربة جميعهم) فتحدثهم المذيعة المذكورة باللغة الفرنسية فحسب، فارضة عليهم أن يجاروها بالتدريج، إلى أن يتحول كلامهم إلى جمل لاهي فرنسية ولا هي عربية تماما، وذلك دون أن تكلف المذيعة نفسها، وهي المغربية الجنس والانتماء، عناء النطق ولو بكلمة واحدة من الدارجة المغربية. أليس هذا «تحريضا» على التخلي عن اللغة الأم والتحدث بلغة مسخ لا وطن لها؟ هذا في الوقت الذي تدافع فيه فرنسا نفسها (ممثلة في رئيس جمهوريتها) عن لغتها في الإعلام، ولو أدى بها ذلك إلى إيقاف بث قناتين إخباريتين رسميتين ناطقتين بالعربية والإنجليزية بحجة أن تمويلهما يتم من قبل دافعي الضرائب الفرنسيين، وبالتالي لا يجوز أن تكونا ناطقتين بغير اللغة الفرنسية؟ (أنظر المقال الخاص بقناة «فرانس 24» في مكان آخر من هذه الصفحة).

يضاف إلى ذلك أن استعمال اللغة الفرنسية بالطريقة التي تستعمل بها في الإذاعات الخاصة، مثلا، صار أداة من أدوات نشر الأمية وتعميمها ليس فقط بحكم أن المتحدثين باللغة الفرنسية عندنا يعتبرون الحديث بها وحده علامة على الثقافة والمعرفة، فلا يبذلون أي جهد في البحث والتحصيل، ولكن لأنهم يعيشون في شبه فقاعة معزولة عن الواقع المغربي الخاص، تجعل كلامهم تنويعا مستمرا على علامات جهل لا تخفى على المستمع المغربي المكتوي بنار ذلك الواقع.

ففي حوار أجرته إحدى المذيعات المفرنسات العاملات بإذاعة «مغربية» خاصة مع خبير فرنسي في الزواحف دافع هذا الأخير عن العقارب ودعا إلى الحفاظ عليها وعدم التفكير في إبادتها لأن وجودها قديم سابق لوجود الإنسان على سطح الأرض (الظاهر أنه لم يزر في حياته مرة واحدة «صخور الرحامنة» أو «قلعة السراغنة» في فصل الصيف، بالخصوص)، وحين حدث الخبير المذيعة عن دور سائل يسمى «كريزين» في التخلص من العقارب، أجابته، بالعربية هذه المرة ودون أن يرف لها جفن: «وي، نحن نسميه في «الماروك»: الما القاطع».

هكذا تساهم الإذاعات الخاصة، إضافة إلى تدمير الهوية الثقافية والعمل على الدفع بالبلاد نحو «مجهول» جديد اسمه الاستعمار اللغوي والثقافي الفرنسي، في كارثة أخرى هي نشر الأمية الواسعة وسط المستمعين؛ ومن هنا ضرورة إثارة التساؤل حولها وحول النتائج التي حققتها بعد سنة من إنشائها وفتح نقاش عمومي حولها تساهم فيه الهيئات الثقافية بالأساس (اتحاد كتاب المغرب، مثلا)، لعلنا نخرج من لعنة الارتجال لندخل عصر التعددية الإعلامية المغربية الحقيقية والفعلية.

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

يا اخي انا متفق معك ولكن اريد ان اسالك؟
متى كان المغرب مستقلا نعم تخلوا عن التحكم في المغرب من الداخل ودهبوا الى فرنسا لتحكم عن طريق "romot control" والدليل هي الصفقات الخيالية التي يوقعونها