أمة اقرأ لا تقرأ

أول ما نزل من الوحي على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كلمة اقرأ وليس كل أو اشرب أو العب، وقد فدى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الأسير من أسرى بدر بتعليمه عشرا من المسلمين القراءة والكتابة، كما رفع القرآن الكريم من شأن العلم والعلماء وجعلهم الإسلام ورثة للأنبياء. وكان أولى بالعرب والمسلمين أن يجعلوا من كلمة اقرأ نبراسا لهم في الحياة وهدفا منشودا من المهد إلى اللحد، ولكن الواقع شيء آخر حيث يتفوق الخبز بامتياز على الكلمة الهادفة والموعظة الحسنة، ويتجاوز سوق الخضر واللحم وما أدراك ما اللحم بمراحل عدة فضاء المكتبة. وحسب إحصائيات عام 1996 فإن كل ما تطبعه الدول العربية مجتمعة والبالغ عدد سكانها 260 مليون نسمة (1997) لا يصل إلى نصف ما تنشره دولة إسرائيل التي لا يتجاوز عدد سكانها 6 ملايين نسمة. كما أن العالم العربي أجمع بثرواته الطبيعية والبشرية لا يترجم سوى ما يقرب من 320 كتابا سنويا وفقا لتقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية وهو أقل ما تترجمه اليونان لوحدها.وترجع جذور ظاهرة العزوف على القراءة إلى عدة أسباب تتجلى خصوصا في التربية الناقصة للناشئة والتي لا يشكل فيها الكتاب حجر الزاوية، وإلى تدني المستوى المعاشي لأغلبية ساكنة الدول العربية من المستضعفين وارتفاع مستوى الأمية بينهم بشكل مهول، إضافة إلى تدني مداخيل جل المثقفين والأطر العليا فما بالك بالموظفين الصغار والعمال بشكل ملفت للنظر مقارنة مع التجار والسماسرة والوسطاء مع العلم أن أكثر هؤلاء لم ينل من التحصيل الدراسي شيئا يذكر. ولكن الأدهى من ذلك هو تفشي أمية من نوع آخر تفتك فتكا بالمثقفين والأطر العليا، فعندما تنحسر روافد المعرفة المفيدة والهادفة في شقيها الاختصاصي والعام بفعل العزوف عن القراءة والتثقيف الذاتي وفي ظل انعدام التكوين المستمر وهزالة إنفاق الدول العربية الذي لا يتعدى 0.3 %من إجمال ناتجها القومي على عمليات توظيف البحث العلمي من أجل التنمية في حين تنفق الدول المتقدمة ما بين 2 و 4 % ، تتحول هذه الفئة التي كان من المفروض أن تكون قاطرة للتنمية والإشعاع الفكري والعلمي والتقني داخل المجتمعات العربية بفعل الزمن والتقادم المعرفي من بحار إلى بحيرات وفي الأخير إلى مستنقعات، لا يبقى في ثناياها سوى طين موحل و مخلفات خردة بالية وشواهد أفل نجمها وخبا وهجها. وأمة هذا حالها بالنسبة لمتطلبات المعرفة الإنسانية لا يمكن لها أن تحرز تقدما في أي مجال، ناهيك عن مجال العلوم والتقنية التي تحتاج إلى عقول مستنيرة وعمل دؤوب وتكوين مستمر. وهذه هي إحدى أكبر المعضلات التي تقف حجرا عثرا في طريق التنمية بالدول العربية وتجعلها تدور في حلقة مفرغة من التسيير المرتجل والاستغاثة بالأجنبي والتدبير الآني لكل الطوارئ.
عبدالقادر بيوز
http://diffaf.blogspot.com/

مشاركات القراء:

كاتب المقال: