اللاهثون وراء السراب

البعض من الكتابات تشدك لتعيد قراءتها مرات عديدة دون كلل وبكل احترام وشغف , وتستلهم منها الأفكار وتغوص معها لسبر أغوار الجوانب الغير مضاءة للنفس البشرية وتركيبة المجتمعات، وكأنها رُسِمت تفاصيلها لنستقي منها الدروس والعبر وتفاصيل عراك الحياة ومتاهاتها. والكاتب الليبي الراحل الصادق النيهوم صاحب القلم المشاغب المعروف في كتاباته بصدقه دون تكلف أو تصنع وجرأته التي تصل أحيانا إلى الزوايا الحرجة وقراءاته الفذة للمجتمع والحياة، لا زالت أفكاره هذه تثير جدلا واسعا بين القراء المولوعين بما اصطلح على تسميته بالفكر الرافض، الذي اتخذه الكاتب الراحل مبدأ في الحياة و تحمل أوزاره بكل صبر وشجاعة رغم المرض والألم إلى أن مات وحيدا في أواسط تسعينيات القرن الماضي ببلاد الغربة، ولم يشيع جنازته التي مرت بصمت إلا نفر قليل من الناس وكثير من الغموض الذي طبع حياته وموته ومواقفه. يقول في كتابه "تحية طيبة وبعد" عن المبالغين في مواويل الحب والهيام الحالمين بحب قيس وليلى الخرافي: الحب ليس عاطفة وليس تحليقا فوق السحب أو ذبحا لقصائد الشعر أو تبادل النظرات الوالهة مع امرأة...، إنه في الواقع- على عكس ما يعتقد كل الناس- لا علاقة له بشؤون القلب على الإطلاق. الحب موقف عقلي متناهي الرزانة، فكرة ثابتة يتبناها الإنسان عبر معاناته العقلية لمشاكل عالمه، ويتخذها مقياسا نهائيا لسلوكه اتجاه مواطنيه، ويبني فوقها كل طوبة في حياته، ويقف غالبا مستعدا للدفاع عنها بعنقه. إن الحب- مثل أي صناعة أخرى- تحتاج إلى بدل الجهد والتدريب المتواصل والعمل والعرق. فالسم وحده تستطيع أحيانا أن تناله بالمجان. أما الحب الحقيقي فإنه- مثل الخبز نفسه- لا تناله بدون ثمن. فليس ثمة أحد يستطيع أن يمنحك حبا، كما يزعم صغار الشعراء، ليس ثمة امرأة تستطيع أن تحقق لك هذه المعجزة، ليس ثمة بيت أو وطن أو طفل أو صديق. إن الحب الحقيقي تخلقه أنت في داخلك لكي تنعم به، أما إذا عجزت عن خلقه فلن يفيدك أن يحبك العالم بأسره، إنك ستعيش وحيدا مثل فأر في السماء، حتى ولو كنت محاطا بألف فأرة مغرمة بك. هذه طبيعة المشكلة، إنسان يبحث عن النهر في الصحراء يجري وراء ظله يطارد أمنية مضحكة من صنع خياله المريض ثم تصدمه خيبة الأمل في نهاية المطاف وينتصب وسط تلال صحرائه المقفرة مستشعرا أسوأ أنواع الكره والحقد اتجاه عالمه بأسره، إنه ببساطة تــــــــــــــــــاه في الطــريق. فالسبيل إلى الحب أن تغوص في داخلك، أن تضع أنانيتك الخرقاء جانبا وتضع معها شهواتك الصغيرة وغرورك ورغبتك في الاستحواذ على كل شيء، وجريك وراء إعجاب الناس بك وخداعك لنفسك باسم المثل العليا التي لا تؤمن بها إلا لأنها ترضي غرورك وحده، السبيل إلى الحب أن تقفز خارج جلدك وتتعلم التواضع كما يتعلم الأطفال المشي. فالحب هو المستوى العقلي الوحيد الذي ما يزال الذهن البشري عاجزا عن تحقيقه في حالته الحاضرة و ما يزال الإنسان يحاول تفاديه عن طريق استبداله بالجنس، وليس ثمة شك أن لعبة الاستبدال تستطيع أن تؤدي الغرض لبعض الوقت وتستطيع أيضا أن تعوض المرء عن حاجته إلى الحب، لكن ذلك لا يختلف في شيء عن رغبة العطشان في استبدال النهر بالسراب، إنه سيقضي بعض الوقت في الجري فوق تلال الرمال القاحلة ممنيا نفسه بالماء، لكن المؤكد أنه يموت بالعطش في نهاية المطاف. ذلك مصير لا يمكن تفاديه. إن تسعا وتسعين بالمائة من الناس الذين ماتوا أو سيموتون في هذا العالم جاءوا و ذهبوا دون أن ينالوا من الحياة جرعة ماء، والمرء يقول تسعا وتسعين في المائة لمجرد الرغبة في التزام الاعتدال، فالواقع أن النسبة أعلى من ذلك بكثير. إن تاريخ الإنسانية بأسره لا يعرف سوى بضعة أسماء للرجال الذين تمكنوا بطريق أو بآخر من تحقيق معجزة الحب. فهذا المسخ الذي أنتجته حضارتنا حتى الآن ومنحته لقب "إنسان" ليس قادرا على استقبال منحة الحب وليس بوسعه أن يمنح أحدا مقابل حبه شيئا سوى حبل المشنقة. إنه لا يفهم من الهبة السحرية العظيمة سوى أنها جنس ولذة حسية وشنبات (شوارب) وبنات، هنا يتساوى القرود والناس والتماسيح.
عبدالقادر بيوز
http://diffaf.blogspot.com/

مشاركات القراء:

كاتب المقال: