رجل قدم إلينا من الماضي
كالأنثى سقطت علي هذه الصحيفة، تحمل إلي ما تبقى من نخوتنا بعد أن انتقدت كل تحركاتنا، التي أبت أن تتجــــــاوز عتبة شـــهوتنا نحن اللذين مـــلأنا البر حتى ضاق بنا،فبدأنا نرمي بأنــفسنا ذات الشمـــال وذات الجنوب، تارة في البحر الذي لــــــم تعـــد وسائلنا قادرة على اصطياد حيتانه الضخمة،حتى وإن حدث كذالك بطرق بدائية،فإن أغلبية أمهاتنا يمتنعن تناوله ليس بسبب جهل أسمائه و أصنافه، أو طرق طهيه وتناوله، إنما مخافة تناول لحم أبنائهن المحشو في أمعائها.وتارة في البئر هذا الـــــذي نسج علاقات في الظلام مـــع أناس يعول عليهم في المستقبل،فكثيرا ما يترددون إليه،لا لأن طريقه أقرب من طريق المدرســـة ولا مخافة من عصا المعلم،إنما لسبب واحد هو أن البئر ضروري في حياة البدويين، به تبتدئ وقد تنتهي به مـع أناس لا يحسنون أي صنعة سوى صناعة الأولاد تكاد الأسماء تنقطع بسبب تكرارها داخل الأسرة، ينادي الـــــجد على أحد الأحفاد غير مــــــبالــــــــــــــي :
• عيط لمحمد
• هاهو حــــداك آبـــا
• محمد لاخـــــــــــــر
• محمد الصغير...امشا مع عتيقة يسكيو....
سقطت عتيقة و احتفلت بالفطر في البئر و قضت،وبقيت حكايتها لصيقة الحديث في مجالس للكلام الملفق، الذي يكره بعضه بعضا، نخوض في أغوار الماضي دون أن نحسن أسلوب الرواية، ونبعد الأحداث عـــــن بعضها البعض, أو نتجاهل أخـــــرى كل هذا يحدث ليظهر بعضنا على بعض في القوة الفكرية التي لا نفرق فيها بين الألف و العصا، تركنا كتب العلماء و الفقهاء يهشمها الدود في رفوف مخبرة،و داخـــــل كهـــوف سميت بالخزانات، رائحة الكافور تجد مرتعها هناك، سئل أحدهم يومـــــــا :
• لماذا الكافور؟
• الكافور يحافظ على الكتب من التآكل.
هذه الكتب قد تآكل بعضها وما جدوى الكافور، ألا نحاول أن نضع القليل منه على أدمغتنا حتى يحافظ عــلى بعض الأفكــــار كي لا تجري كالسراب في الخواء،ذات يوم ونحن جالسون على صخرة كبيرة ضللنا التاريخ الذي وضعت فيه هنا، كمـــــــا ضللنا المادة التي توجد بداخلها أهي ذهب أم ملح، فاشتد العراك بـــيننا مـــن كثرة الجدل، إذا برجل نبع قربها، ففر الكل وبــــدأ يهتف إلينا بالعودة إليه، لــــــم يستطع أحد منا العـــودة ، فالبعض قد تبللت ملابسه و البعض الأخر تصطك أسنانه و الفصــــــــل صيفا، حاولنا جاهدين الاقتراب منه بعدما ناولنا السلام، دون أن نسأله بدأ يحدثنا عن العلم و طرق أخذه وإعطائه وحدثنــا عن مجــــالس ابـــن تاشفين وكيف كان العلماء يأتون من كل فج عميق لحضورها، كان السؤال الذي تزحمنا لطرحه يدور حــول هوية الرجل قبل أن نناوله السؤال قال :
• لا تسألوني عن اسمي ولا عن عنواني فذاك ليس له أي معنى في زمنكم هذا.
• ولماذا يا...؟
• أنتم من قتل العلماء و الأحقاء وتركتم أهل الفسق و النفاق يرعون بينكم كما تـــــرعـــى الذئاب وسط الأغنام تجهز على بعضها كلما أغفلت عنها عين الراعي.
أصبنا بالذهول ونحن نتجول داخل هذه المدينة العريق تاريخها و الرجل يمشي بخطوات كالبرق المخطوف، يحدثنا بلغــــــة مصطكة تجري أحرفها في ممرات الفصاحة، عن الماضي ومجده، يبصق كلما مررنا ببناية يعبد فيها الشيطان، ويقـــــــف مذهولا عند الآثار التي تذكره بالماضي وأهله، يتمتم ويهمس وقد عض على شفتيه من شدة الغضب،بصق علينا وأهدانـــــا سربا من اللعنات نحن اللذين طبعنا أسماءهم على الجـــدران ولم نعمل بوصاياهم، بدأ يبحث عن البذور التي زرعوها فــــي الماضي إلى أن تأكد أنها نبتت بنمطية أخرى ماتت معها تربتها منذ أن تركوها، مررنا على بعضهم فسألنا :
• ما ذا يفعل هؤلاء؟
• إنهم يخطبون في الناس ويدعونهم إلى المشاركة السياسية.
أخرج سيف الحقيقة ليسفك به دماء النفاق، أغدرته رصاصة فسقط بيننا كصحيفة حكم عليها بالمــــنــــع، وتوزع دمه فـــــــي الإذاعات و همسات الهواتف :
• أعلنت الصحف الصادرة هذا الصباح عن وفات الرجل الذي......
• آلو.......لقد توفي الرجل الذي....
وعاد الرجل من حيث أتى دون مزاد، منا من صفق لشجاعته، ومنا من بكى لفقدانه ومنا من دافع من أجله حتى لقي المصير نفسه، ونعم المصير.
توقيع : ع.الرحمان حمزاوي








علِّق