ما بين هذا و ذاك

وقفت مستندا إلى أحد أعمدة الإنارة
إحدى حبات اللؤلؤ التي تزين صدر هذه المدينة الغارقة في برودة الليل
نشرت فوق الرصيف بعض لوحاتي التي رسمتها بألواني المائية خلال الأيام الماضية
أنتظر بعض المارة
لعل إحداها تنال رضاه فيدفع لي بالمقابل ما أقتات به لأيام
أحاول ببعض رشفات الشاي الدافئ مطاردة برودة ليل الغربة التي بدأت تتسرب إلى أطرافي
مر من أمامي أحد المارة
لكنه ما لبث أن عاد و كأن شيئا ما قد لفت انتباهه
تسمر أمامي
رمقني بنظراته الحادة
تفحصني من شعر رأسي إلى أخمص قدمي
بادرني قائلا بالعربية
: سنجووووووووور ؟
( حاولت سريعا إزاحة ضباب الغربة البهيم الذي تكالب على ذاكرتي منذ زمن
أركض أتوغل خلال سنوات عمري
أبحث عن هذا الوجه الذي تسمر أمام عيني
أركض و أركض
و إذا بطائر الذكرى يأخذني على جناحيه عاليا
يحلق بي فوق خضرة حقول براءة الطفولة
يحط بي هناك
أرانا نركض بين السنابل
نسابق أسراب الطيور المهاجرة
نتسلق أشجار الصفصاف التي مالت على ضفة النهر
تلامس بشعرها صفحة الماء العذب
نقفز إلى الماء
نتسابق غوصا لنلتقط حصوات القاع الباردة
حتى إذا ما استسلمت أجسادنا لقاعدة أرخميدس
نطفو إلى صفحة الماء
نعبر عن انتصارنا بالقفز عاليا
أيقظني صوته الأجش بغتة
أخذني عنوة من بين دفء أغطية الماضي
جذبني عنوة إلى برودة ليل الغربة
: هه ، تذكرتني ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
: من ؟ ثكلتك أمك ؟
( هكذا كنا نطلق عليه أيام الطفولة )
( تعانقنا ننفض عن كاهلنا سنوات من الفراق )
: يااااااااااه
معقول ؟؟؟؟ حتى هنا أجدك ؟؟؟؟؟
( تأخذنا الأيام
تلفنا بين دواماتها المتلاحقة
لا ندرى كم من الوقت مر و نحن معا
أيام و أيام تمر
تنقلب إلى شهور و شهور
لم نفترق إلا خلال سويعات البحث عن لقمة العيش الكريم
تقاسمنا غرفته ، تقاسمنا الأمال و الأحلام
نقضي الليل من مغيب الشمس إلى مغيب القمر نتعاطى الذكريات
في إحدى أمسياتنا بينما أخذني ضياء البدر
سألني هامسا )
: أمازلت ترى فيه وجه خالتي ( أم عصام ) رحمها الله ؟
( ترقرق البدر بين مقلتي )
: كلما رأيته أراها تشرق علي بابتسامتها المعهودة
يرحمك الله يا ست الحبايب
: ألا تحب لقائها ؟
: عندما يأذن الله
: ألا تحب الشهادة ؟
: من لا تحدثه نفسه بالشهادة في رأيي .....
( بادرني )
: فرصة عمرك التي لا تعوض
: ماذا تقصد بالله عليك ؟
: تنضم إلينا
: إليكم ؟ من أنتم ؟؟
: قبل كل شيء لابد أن تقسم بالله العظيم على أن ما يدور بيننا الآن لا تحدث به أحد حتى نفسك
: لقد أقلقتني ، ماذا دهاك ؟؟؟
: اقسم أولا
: أقسم بالله العظيم
: نحن خلية نائمة
: نائمة كيف ؟؟؟ هكذا أم هكذا ؟؟ هاهاهاها
: ( لم يبرح الجد وجهه للحظة بل ازدادت نظراته حدة )
: لا وقت للمزاح الآن ، معنا أم علينا ؟
: مع من و على من ؟؟؟؟
: مع الشهداء بإذن الله تعالى
فلقد قدر لي منذ وقت أن أنضم إلى خلية نائمة
نتلقى أوامرنا عبر الإنترنت و جاءت اللحظة التي ننتظرها منذ سنوات
فعن قريب سنقوم بضربتنا المزلزلة
: انتظر انتظر
كيف ستدخلون إلى فلسطين بهذه البساطة ؟؟
هل تدبرتم أمركم جيدا ؟؟
: أي فلسطين أيها الأبله ؟؟
لقد صدرت إلينا الأوامر بجمع بعمل بعض التحريات عن بعض محطات القطارات و الحافلات
: أية محطات و اية قطارات ؟؟
خرب الله بيوتكم ؟
هل ستقومون بضربتكم هنا بين هؤلاء المدنيين الآمنين ؟؟؟؟؟
هؤلاء الذين نعيش بين ظهرانيهم آمنين مطمئنين
هؤلاء الذين لم نر منهم إلا كل المودة و الاحترام لآدميتنا
: كلهم كفار قاتلهم الله أنى يؤفكون
: لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
ألا يمكن أن يقتل هناك مسلمون ممن يعيشون هنا ؟؟؟؟؟؟؟
: سيعدون من الشهداء بإذن الله
: أي شهداء بالله عليكم ؟
أي شهداء من أعطاكم هذا الحق في أن تروعوا الآمنين أيا كان دينهم أو مذهبهم
آلله أمركم بهذا ؟؟؟؟
حتى لو افترضنا جدلا أنهم كفار كما تزعم
ليس لكم عليهم من سبيل طالما لم يقاتلوننا أو يعادوننا جهارا
ألم تقرأ القرآن الكريم و تتدبر ما فيه ؟
: و من أنت أيها الحقير حتى تدعي معرفتك بكلام الله و أوامره و نواهيه ؟
من نصبك شيخا كي تفتني فيما يجب على فعله أو تنهاني ؟؟
: لا كهنوت في الإسلام أيها الشيخ المبجل
و إلا بالله عليك فسر لي قول رب العزة سبحانه و تعالى في سورة الممتحنة
(لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقاتِلوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ)
تبروهم و تقسطوا إليهم
ضع تحتها ألف خط و خط
و قوله جل شأنه في سورة البقرة
(وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يُقاتلونَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ)
الذين يقاتلونكم ، الذين يقاتلونكم
: ماذا تفهم أنت في أسباب النزول أيها الجاهل ؟؟؟
ما أدراك أنت عن الناسخ و المنسوخ ؟؟؟؟
: لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
حسبي الله و نعم الوكيل حسبنا الله و نعم الوكيل
( انتفضت ألملم حاجياتي
هممت بالخروج )
: سلاماااااااااا
( كلب عنقي بقبضته حتى رفرفت بين يديه كالذبيح )
: لا تحاول أن تحدث حتى نفسك بما دار بيننا الآن و إلا
( أشار بيديه بالذبح
حاولت الإفلات من قبضته و قد كدت أن أختنق
نظر إلي نظرة لم أر مثلها بحياتي
فتح الباب
تفل بوجهي )
: ثكلتك أمك يا إبن .......
( أفلتني من قبضته بدفعة قوية
طرحني متدحرجا فوق دركات السلم الحجري )

مشاركات القراء: