الذين يحتقرون كل ما هو وطني

مع اشتداد الأزمة الاقتصادية التي انفجرت في الولايات المتحدة الأمريكية على عهد غير المأسوف عليه بوش، ومع توسع آثار الأزمة عبر شتى أنحاء المعمور، إلى جانب موجة العولمة الكاسحة التي تهدد الاقتصاديات الهشة في دول العالم الثالث على الخصوص ومنها المغرب، "انتبه" مؤخرا بعض المسؤولين الحكوميين في المغرب لشظايا الأزمة التي بدأت تسقط على المجال الوطني، والتحديات التي يواجهها الإنتاج المغربي في الأسواق المفتوحة، وبدأوا "ينصحون" المغاربة باستهلاك المنتوجات الوطنية لحماية المقاولات المغربية من الإفلاس، وتحصين الاقتصاد الوطني من الانهيار.

وإذا كانت هذه الدعوة تحمل في طياتها نفحة وطنية لا تقبل المجادلة في حد ذاتها، فإن هناك تساؤلات تتبادر إلى الذهن حول من هي الفئات التي تهجر عادة المنتوج الوطني، وتتفاخر وتتباهى بالإقبال على ما هو أجنبي، ولو أنه في بعض الأحيان لا يكون أكثر جودة من نظيره المغربي؟ ومن هم الذين يحتقرون كل ما هو وطني بدءأ من اللغة التي هي وعاء الثقافة والمؤثر الأساسي في السلوك الذي يشد إلى الوطن، أو ينحرف به في اتجاه آخر؟ ومن هم الذين يتسابقون على تعليم أبنائهم في البعثات الأجنبية التي تستلب الكثير من روادها وتجعلهم ينبهرون بالآخر لدرجة الانسلاخ عن الجذور أحيانا، وإعطاء الظهر لكل ما ينبت في تربة الوطن وما ينتج في محيطه بفكر وأيدي أبنائه؟؟

أعتقد أن المغاربة لا يمكن أن تخفى عنهم الفئة ذات الأوصاف المذكورة ومن بين مكوناتها الكثير ممن يتصدرون المواقع المتقدمة في هرم المسؤوليات الحكومية، وليسوا قطعا من الفئات الشعبية التي ترتبط بما هو وطني روحيا وثقافيا، وتُقبل عادة على المنتوج الوطني الذي يتلاءم أكثر مع قدرتها الشرائية.

ولذلك يمكن القول بأن الفئات الاجتماعية التي تشكل السواد الأعظم من الشعب المغربي ليست في حاجة لمن يعطيها النصائح بالإقبال على المنتوج الوطني بدل الأجنبي، أو في أي مجال آخر يهم خدمة المصالح الاقتصادية للبلاد، بقدر ما هي في حاجة لمن يعطيها القدوة الصالحة في حماية وخدمة هذه المصالح، من خلال السلوك اليومي المعتاد النابع من ثقافة وطنية أصيلة، وليس بخطابات سياسية باهتة لا تعكس ما يقوم به أصحابها على أرض الواقع.

إن المغاربة يا سادة يا كرام لم يعودوا في حاجة لمن يقول لهم (هذا في مصلحة البلاد وهذا في غير مصلحتها)، وإنما هم في حاجة لمن يعطيهم القدوة والمثل في السلوك الوطني والمواطن الصحيح، والقدوة - كما هو معلوم - لا تكون بالكلام خاصة إذا كان من النوع الذي مل منه الناس ولا يكون له أي صدى في حياتهم.

وحينما يصب سلوك وممارسة أفراد الفئة المعلومة في الاتجاه السوي، يمكن أن يصبح لكلامهم معني، ويمكن للصفات والمواقع التي يتحدثون باسمها، أن تكتسب أو تستعيد ما تفتقر إليه حاليا بشكل يكاد يكون مطلقا، من ثقة ومصداقية.
***
عبد القادر العلمي: ناشط حقوقي وباحث

كاتب المقال: