عندما يُهان العلم الوطني فوق الإدارات المغربية ... يا حسرة

على الرغم من قضائي مدة 26 سنة من العمل كمهندس في ميدان الهندسة القروية لا زلت لا أملك لا سيارة ولا بيتا، ولكنني أملك عزة وكرامة تأبيان المهانة والذل، وكنت ولا أزال كما كان يقول المرحوم عباس محمود العقاد: "أنا قليل الإكثرات للمقتنيات المادية، فأعجب شيء عندي هو تهالك الناس على اقتناء الضياع والقصور وجمع الذخائر والأموال، ولم أشعر قط بتعظيم إنسان لأنه صاحب مال، ولم أشعر قط بصغري إلى جانب كبير من كبراء الجاه والثراء، بل شعرت كثيرا بصغرهم، ولو كانوا من أصحاب الفتوحات"، وشعرت دائما بصغري وتواضعي أمام الناس الضعفاء والفقراء و أصحاب النفوس الأبية والذمم الصافية والأخلاق العالية.

ودأبت منذ زمن بعيد على الذهاب إلى العمل كل صباح مشيا على الأقدام وقضاء مصالحي مشيا على الأقدام، مثل إنسان الكرومانيون أو إنسان ما قبل التاريخ، إلا في حالات محدودة أضطر فيها لمشاركة أبناء الشعب حافلات ألزا عندما ينسلت الزمن ويهزئ مني كما ينسلت الماء من الكف عندما تخونه فروج الأصابع. ووجدت في ذلك راحة نفسية وحيوية ونشاطا، وابتعادا وتخلصا من جنون الطرقات وعصبية مرتاديها ونزقهم وأنانيتهم المفرطة. هذه الطرقات التي أصبحت اليوم تعوم وتموج بالسيارات من كل الأشكال والأنواع، من المهترئة صاحبة 5000 درهم إلى الفارهة صاحبة 800000 درهم، حتى ليُخيل للمرء أن شعار "سيارة لكل مواطن" قد تحقق بالفعل بمدينة مراكش التي تم اغتيال براءتها في واضحة النهار.

وكنت في طريقي أمر بالقرب من محكمة الاستئناف وأرى أناسا يحملون رزما من الأوراق يتجهون في كل صوب كأنهم سكارى وما هم بسكارى، وآخرون منزوون قرب سيارة فخمة يتناقشون بصوت خافت يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو، ثم أعرج على إدارة الجمارك وما أدراك ما الجمارك، وأرفع بصري للأعلى وأرى أثر ما بقي من علم مرفوعا فوق هذه الإدارة، ممزقا بطريقة مشينة ومذلة تثير في نفسي الاستفزاز والحنق والسخط على مسؤولي هذه الإدارة.

وكنت كل مرة أمني نفسي علا وعسى يهدي الله هؤلاء القوم ويقوموا بإصلاح هفوتهم وخطأهم الجسيم، ولكن مع استمرار هذا الوضع لما يزيد على الأربعة أشهر، فقدت الأمل وأدركت أن هؤلاء المسؤولين وحتى الموظفين العاملين تحت إمرتهم - لأنهم ليسوا معذورين في مثل هذه المواقف المخزية و الحاطة من كرامة شعب بأكمله - قد عميت بصائرهم وليس أعينهم وأصبحوا صما بكما فهم لا يبصرون. فحتى في الحروب مثل حرب الصومال وأفغانستان مما تناقلته وسائل الإعلام من ساحات الوغى لم أر علما ممزقا ومشوها إلى هذه الدرجة التي يوجد عليها العلم الوطني المرفوع فوق إدارة الجمارك. وكنت أنزل ببصري بتثاقل نحو الأرض كما تفعل كاميرات أفلام هوليود وأرى عدة سيارات فارهة متوقفة بالقرب من هذه الإدارة وألمس عن كثب كيف تنافس أصحابها في غسلها وتنظيفها حتى أنك ترى وجهك في معدنها، وأقول مع نفسي لو نظف هؤلاء الأقوام قلوبهم قبل تنظيف سياراتهم لما أمكن أن يكون العلم الوطني على هذه الصورة المشينة التي تجعلنا أضحوكة في أعين الأصدقاء قبل الأعداء.

وعلى الرغم من صدور القانون المتعلق بزجر إهانة علم البلاد ورموزها والذي يقضي بتجريم إهانة علم ورموز المملكة، والذي يخول للسلطات العمومية والقضاء إمكانية للبحث وتوقيع الجزاء في حق مرتكبي جريمة إهانة علم المملكة ورموزها، ويقصد بعلم المملكة «شعار المملكة المنصوص عليه في الفصل7 من الدستور ولواء المملكة والنشيد الوطني ورمز المملكة كما هو معرف في الظهير الشريف (بمثابة قانون) رقم/ 1.00.284 وأوسمة المملكة»، فلا زالت بعض الإدارات ومنها العمومية يا حسرة وبدون استحياء تُهين يوميا في واضحة النهار وعلى مرأى الجميع العلم الوطني برفعها أعلاما بالية متسخة فوق هذه الإدارات لا لون لها ولا رمز. تُرى أين هي وطنية هؤلاء المسؤلين؟ أم هي حصرا موجودة فقط عندما تكون الكاميرات شاعلة!!! اللهم اشهد أني قد بلغت.

عبدالقادر بيوز
www.diffaf.blogspot.com

مشاركات القراء:

كاتب المقال: