ابن خلدون, التعريب وبورقيبة

لو قرأ بورقيبة لابن خلدون لكان من مناصري التعريب لأنه كوطني ما كان ليرضى لبلده القصور الدائم في العلوم لكن قد يكون الولاء الثقافي للأجنبي منعه من الإقرار الفعلي بعبقرية ابن خلدون والرجوع إلى ما يراه في ثنائية اللغة عند تحصيل العلوم بما يمكن ترجمته اليوم بمسألة التعريب إذ يرى ابن خلدون أنه إذا سبقت لغة إلى لسان فنادرا ما يتميز صاحبها في العلوم بلغة ثانية.

لا يشك من يعرف القليل عنه أنه كان يكره الثقافة العربية جملة وتفصيلا ولم يكن يريد لها أي دور في بلادنا المعاصرة. الثقافة الأجنبية فتنته دون اعتبار أنها ثقافة استعبدت شعبه وأعدمت أحراره وحالت دون نهضته واستعمرت أرضه ودفعت أجدادنا إلى أكل الحشيش والمعمر يتمتع بخيرات بلده.

الثقافة الأجنبية فتنته فتجرعها وسكر ثقافة عنصرية تتعالى على العرب فتعالى على شعبه وعلى العربي من تاريخه وحضارته. لا ترى ثقافته في ثقافة بلدنا ما يرقى إلى درجة جديرة بفكره فلا قدرة حسب هذه الثقافة العنصرية لعقل من أرضنا بثقافة عربية أن يرقى فينتج فكرا وأما أن يتنج فكرا فريدا رياديا فعن ذلك لا تحدث.

كيف له أن يقرأ مقدمة ابن خلدون العربي الثقافة الذي لم يعرف لغة غربية ولا جامعات أروبية ؟

لو قرأ ابن خلدون لعرف أنه لا يمكن لشعب أن يبدع بلغة ليست لغته وأنه إذا سبقت لغة إلى لسان فتكون قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم بلغة ثانية إلا في حالات نادرة.

إذا سلمنا بوطنيته فقد يكون الولاء الثقافي للأجنبي وبعده عن شعبه هما السببان اللذان جعلاه لا يقرأ ابن خلدون وجعلاه أيضا مناهضا للتعريب.

مشاركات القراء:

التعليقات

لقد قرأت مقالك الذي يمكنني تلخيصه في عبارة "و يستمر تعريب التاريخ"...
أظنك يا صاحب النص لا تعرف أصلا من هو ابن خلدون "الأمازيغي على فكرة" ...ولم تقرأ أيا من كتبه ...كيف لا و أنت تعتبره مرجعا تعريبيا علما أنه صاحب المقولة الشهيرة "إذا عربت خربت " ...و ياما هجا العرب و وصفهم بأشنع الصفات و أقبحها !!! فما أوقحكم !!!ألم تتعبوا بعد من تزوير التاريخ و الإفتراء على العظماء ...
يكفي بورقيبة حب شعبه بل و أمازيغ العالم له كيف له وهو امتداد فكر ماسينيسا و أكسيل و دهية و الخطابي ...

لا شك أن بورقيبة الذي درس في السربون وعايش المجتمع الفرنسي كان يدرك الفرق بين فرنسا الجمهورية وفرنسا الإستعمارية، وحاول ما استطاع استلهام مقومات التطور الذي اسس للجمهورية الفرنسية وخول لها فرص استعمارنا والتفوق علينا. لكنه في الوقت نفسه لم ينس أن فرنسا دولة استعمارية ولذلك كان ولاؤه الوحيد لتونس أولا وأخيرا.
ثم إن بورقيبة رجل سياسة لا رجل ثقافة فكان سؤال بناء الدولة بعيد الإستقلال طاغ على سواه، فمن الناحية الإجرائية كان التعريب الكلي للتعليم في تلك الفترة مكلفا جدا ماديا وغير ممكن لوجستيا وقد يكون لصراعاته السياسية مع الثعالبي ومشايخ الزيتونة وخوفه من بروز شخصيات عربية قوية و مؤثرة متل عبدالناصر والقذافي و بومدين قد يكون لكل ذلك دور في تشدد بورقيبة (الذي هو مثلهم كان يعاني من مرض الزعامة) في نهجه التحديثي ذي الملامح الفرنسية، لكن ثقافة بورقيبة العربية لغة وتاريخا وحضارة كانت حاضرة وبقوة في تكوينه وهو خريج المدرسة الصادقية ومعاصر رواد الحركة الوطنية.

أما ما يتعلق بقراءة ابن خلدون فلا أعتقد أن رئيسا عربيا قرأ وفهم وطبق نظرية ابن خلدون في الإجتماع والعمران مثلما قرأها وفهمها وطبقها بورقيبة. بورقيبة سعى إلى تأسيس الدولة وانهاء النزعة القبلية ونجح نجاحا باهرا .فتونس بلد القبائل العربية العريقة بلا قبائل اليوم ويكفيه فخرا هذا الإنجاز.

في النهاية قد نتفق مع توجهات بورقيبة وقد نختلف ولكن وصفه بالتبعية الفرنسية ثقافية أو سياسية كانت هذه التبعية دون فهم الرجل في ضوء الظرف التاريخي الذي عاشه ،هو تجن يصل حدود الإفتراء على رجل آمن بتونس حرة مستقلة متطورة وعاش حياته بايجابياتها وسلبياتها خدمة لهذا الهدف ومات نظيف العرض واليد.
وفي الحقيقة لست أدري سبب الإنفعال الذي يطغى على هذا المقال والحال أن الفرنسية في تونس لم تعد تشكل مشكلا لنا وعادت إلى حجمها الطبيعي لغة ثانية وقريبا لغة ثالثة ،ويكفي التذكير أن الرئيس الثاني لتونس ما بعد الإستقلال لا يجيد الفرنسية ولا يستعمل بديلا للعربية الفصحى. وحتى الشعب التونسي وان كان منفتحا على الثقافات الأخرى ومنها الفرنسية، وهو انفتاح محمود ومطلوب، فهو غير متفرنس اللغة ويتوقف تفرنس البعض عند حدود "مغسي" و "بونجور" و"سافا".

الثقة بالنفس والإعتداد بالهوية الحضارية واللغوية تفترض تجاوز ردات الفعل الإنفعالية إلى قراءة نقدية للذات للتأسيس لغد أفضل. هذه القدرة على نقد الذات هي التي ميزت مفكرا مثل ابن خلدون الحضرمي ومكنته من الوصول الى فتوحات في عالم الإجتماع يستهجن فيها دور القبيلة في بناء الدولة ،وهو ابن القبيلة العربية العريقة .وهذه القدرة نفسها مكنت سياسيا مثل بورقيبة من القفز بتونس من مجتمع قبلي مفكك أفلسه وجهله الإستعمار إلي بلد نسميه وطنا لكل التونسيين.

في تونس
اللغة الثالثة هي الفرنسية
اللغة الثانية هي الفرنسية
اللغة الأولى هي الفرنسية
زائر
http://www.pdpinfo.org/spip.php?article51140

تشخيص علاقة التونسي باللغة العربية

إذا تبنينا تلك المؤشرات الستة لقياس موقف التونسيين اليوم إزاء اللغة العربية (لغتهم الوطنية) لوجدنا أن موقفهم يترواح بين الضعيف والمتوسط على كل واحد من هذه المؤشرات. ومن ثم، فالإعاقات التي تشكو منها اللغة العربية في المجتمع التونسي منذ مجيء الإستعمارالفرنسي ذات وجوه عديدة كمارأينا وكما سيتضح الآن :

1- فعلى المستوى الشفوي ، يمزج التونسيات و التونسيون كثيرا حديثهم بكلمات وجمل وعبارات فرنسية حتى أنه يصح وصف اللهجة التونسية بأنها لا تكاد تكون سوى مزج للعربية بالفرنسيـة أي الفرونكــوأراب le franco-arabe في أغلب الأحيان.

وربما يجوز القول بأن أغلبية التونسيات والتونسيين اليوم يستعملون كلمة فرنسية على الأقل في كل عشر كلمات (1/10) من حديثهم بالعامية التونسية مع المواطنات والمواطنين التونسيين. فالإستعمال المكثف للفرنسية في اللهجة التونسية (الفرونكو أراب) هو سيد الموقف في حديث الأكثرية الساحقة للتونسيات والتونسيين في مطلع القرن الحادي والعشرين . وبتعبير العلوم الإجتماعية ، فالفرونكوأراب كسلوك لغوي شائع في المجتمع التونسي الحديث يمثـل المعيـار اللغـوي الإجتماعـي، أي أن حديث التونسي مع التونسيات والتونسيين بلهجة تونسية عربية خالية تماما من أي كلمة فرنسية ينظر إليه لاشعوريا من جانبهم على أنه ضـرب من السلوك اللغـوي المنحـرف الذي طالما يقابل بالتعجب والحيرة وحتى التهكم والسخرية . أليس في ذلك إعاقة ملموسة لتطبيع العلاقة مع اللغة الوطنية؟ أما استعمال اللغة العربية على مستوى الكتابة في المجتمع التونسي فهو لايزال محدودا في الأمور الكبيرة والصغيرة على حد سواء . فمعظم التونسيات و التونسيين يكتبون ، مثلا ، صكوكهم/شيكاتهم المصرفية باللغة الفرنسية ويقومون أيضا بكتابة إمضاءاتهم بلغة موليار . واللغة العربية غائبة عموما في العديد من المؤسسات التونسية الحديثة . فاللغة الفرنسية هي لغة العلوم في المؤسسات التعليمية التونسية إبتداء من مرحلة التعليم الثانوي وإنتهاء بمرحلة الدراسات الجامعية العليا .

كما أن اللغة الفرنسية تبقى لغة الكتابة لأنشطة جل البنوك التونسية ولغة المراسلات الدورية مع حرفائها . أوليس في ذلك إعاقة للغة العربية من أن تصبح فعلا لغة وطنية في المجتمع فتنمو وتتطور لتصبح قادرة على أن تكون لغة العصر؟ أما تعريب الإدارات الحكومية بالكامل فلم يصدر فيه أمر إلا بعد أكثر من أربعين سنة من الإستقلال . فقد صدر في عام 1999 أمر رئاسي يطالب كل المؤسسات الحكومية أن تكمل تعريب مراسلاتها إلى المواطنين التونسيين مع نهاية سنة 2000. وبالنجاح في مثل هذا المسار ومواصلة تعزيزه في العقدين القادمين تكون اللغة العربية ربما مؤهلة مع نهاية الثلث الأول من هذا القرن 2029 لاسترجاع مكانتها كلغة وطنية يدير بها التونسيات والتونسيون معظم أو ربما كل شؤونهم الشخصية والإجتماعية ، على كثرة تنوعها وتعقيداتها في مجتمعهم الساعي إلى اللحاق بالمجتمعات المتقدمة . أما حال استعمال اللغة العربية في الأمور الكتابية في المجتمع التونسي اليوم خارج الإدارات الحكومية ، فيجوز أيضا تسميته بسهولة بأنه فرونكوأراب كتابية يوازي الفرونكوأراب الشفاهية المشار إليها سابقا . وبعبارة أخرى ، فالمجتمع التونسي اليوم مزدوج اللغة بالكامل على المستويين الشفاهي والكتابي. وبالتأكيد إن في ذلك إعاقة كبيرة أمام التحرر/ الإستقلال اللغوي الكامل ومن ثم تكريس استمرارالتبعية اللغوية الثقافية للمستعمرالقديم.

2- تشير اليوم الإستبيانات والملاحظات الميدانية المتكررة لسلوكات المتعلمات والمتعلمين التونسيين اللغوية بأن أغلبيتهم الساحقة لا تكاد تبدي بعفوية وارتياح حماسا وإعتزازا باللغة العربية باعتبارها لغتهم الوطنية . ويقترن فقدان الحماس والإعتزاز باللغة العربية عندهم بغياب الموقف القوي المدافع بعفوية والغيور في السر والعلانية على اللغة العربية في المجتمع التونسي الحديث .وبعبارة أخرى ، فلا يكاد يوجد عندهم في أحسن الأحوال أكثر من شعور فاتر إزاء اللغة العربية التي تعتبر لغتهم الوطنية وما يتبع ذلك من أولوية الإحترام والولاء لها قبل أية لغة أخرى .

3-لا يعارض وبالتالي لا يحظر المتعلمات والمتعلمون التونسيون اليوم على أنفسهم استعمال اللغة الفرنسية بينهم في الشؤون الصغيرة والكبيرة التي يقومون بها في مجتمعهم ، بل نجد الكثير منهم يرغبون ويفتخرون بذلك .

4-لا يلاحظ الباحث الإجتماعي اليوم لدى أغلبية المتعلمات والمتعلمين التونسيين موقفا قويا ومتحمسا ينادي ويعمل فعلا على إعطاء اللغة العربية الأولوية الكبرى في الإستعمال في كل قطاعات المجتمع التونسي بما فيها القطاعات العصرية .

5-أما هاجــس مراقبـة النفس لتجنب استعمال الكلمات الأجنبية فهو أمر مفقود عموما عند المتعلمات والمتعلمين التونسيين . ولعل ازدياد إنتشار ظاهرة الفرونكوأراب بينهم اليوم هو دليل على ضعف وعيهم بأهمية اللغة العربية كلغة وطنية لمجتمعهم. ومن ثم ، جاء فقدان أو ضعف الإلتزام لديهم بتضييق الخناق على اللجوء إلى إستعمال كلمات وعبارات فرنسية كثيرة في العامية التونسية واللغة العربية الفصحى على حد سواء . 6-إذا كان الألمان والايطاليون والفرنسيون والإسبان مثلا ، يعرّفون هويتهم في المقام الأول بلغاتهم الوطنية بتلقائية، فإن الإزدواجية اللغوية والثقافية للتونسيات والتونسيين المتعلمين لا تكاد تسمح لهم بربط هويتهم بوضوح وبسهولة باللغة العربية، أي الإنتماء الواضح والقوي إلى الهوية العربية. إن ماورد في التشخيصات 3 و4 و5 و 6 يندرج في سلة الإعاقات النفسية التي تعطل عملية تطبيع العلاقة بين المجتمع التونسي ولغته الوطنية.

بقلم :محمود الذوادي

من البديهيات المسلم بها في المجالات العلمية أن الإنطلاق من فرضيات خاطئة يوصل إلى نتائج مرتبكة . ولا يحتاج الواحد منا أن يكون عالم اجتماع حتى يفهم شروط البحث الإجتماعي وآلياته ويكتشف أن السيد محمد الذوادي صاحب المقال في الرابط الذي ضمنته في تعليقك انطلق من فرضية غير دقيقة وهي ضبط 6 نقاط أو شروط يعتمدها في تفسير علاقة المجتمع بلغته وكل هذه النقاط / الشروط أخذت من الدراسات الإجتماعية الغربية المتقدمة أي المهيمنة والمتحكمة في وسائل الإنتاج وهي من هنا تبدو مسقطة على المجتمع التونسي ولا تمثل منطلقا موضوعيا لدارسة علاقة هذا المجتمع بلغته. والذي أهمله السيد الذوادي هو أنه إذا سلمنا جدلا بأن هذه الشروط الستة تمثل فرضية لها أبعاد تطبيقية موضوعية لدراسة المجتمع التونسي فعلينا أيضا أن نسلم بأن المجتمع التونسي مجتمع متقدم مهيمن ومتحكم في وسائل الإنتاج.

طبعا لست عالم اجتماع ولا أدعى امتلاك الكلمة الفصل في موضوع المجتمع واللغة ولكني مواطن تونسي ولدت في تونس وتعلمت في مدارسها وجامعاتها وتسكعت في شوارع مدنها وارتدت الإدارات الخاصة والعامة فيها ولي بعض المعرفة بواقع البلاد وتاريخها. وعليه هذه بعض الملاحظات على ما ورد في مقال السيد الذاودي.

1) ـ من نوافل القول إن مكانة اللغة من مكانة ناطقيها فمتى كان نفوذ ناطقيها قويا ومؤثرا كانت لغتهم كذلك. وهذه سنة تقليد المغلوب للغالب الذي تحدث عنها ابن خلدون وبعيدا عن الحماسة العاطفية للغة العربية لا يمكن القفز على حقيقة دور الإستعمار في تدعيم اللغة الفرنسية وحقيقة دور الضعف والعجز والتخلف الذي عشناه في تهميش اللغة العربية. ويمكن الإشارة هنا أنه بعد مضي أكثر من ألف سنة ما زال استعمال العربية التونسية واضح المعالم في مالطا ومازال الكثير من الكلمات الفلاحية عربية في صقلية دليل على أن نفوذ اللغة من نفوذ أصحابها وقوتهم واختراعاتهم. ونفس الشيء ينطبق على الفرنسية في تونس وفي المغرب العربي اليوم.

2)ـ من المهم التذكير بأن تجيش العواطف الدينية والعرقية عبر حمل لواء الدفاع عن اللغة العربية ومحاربة التجنيس كان ضروريا في مواجهة الإستعمار ولكنه فقد بريقه بمجرد الإستقلال لأن المطلب الجديد هو كيف نبني وطنا؟ وكيف نعمم التعليم والرعاية الصحية في مجتمع مورست ضده سياسة تجهيلية منظمة و فاحشة؟ وفي الظروف الإقتصادية المزرية التي رافقت الإستقلال لم يكن ممكنا في غياب أي دعم عربي (ولم تكن حينها أي قدرة عربية على الدعم) الإنطلاق في سياسة تعريب الإدارة وقد كانت تفرنست بالكامل في ظل الإستعمار.
ومن الجدير أيضا أن نتذكر نحن التونسيين أن أول الكتب العربية في بدايات الإستقلال كانت تأتينا هبات من مصر والعراق لأنه لم تكن لدينا مطبعة عربية تجارية قادرة على توفير كتب كافية في مرحلة تعميم التعليم. ويجب أن لا ننسى أيضا أن تخريج مدرسين باللغة العربية بأعداد كافية كان بفضل هبات عراقية في شكل منح دراسية. ولا يجب أن ننسى كيف كان التونسيون يجتمعون بالعشرات حول مذياع للإستماع إلى صوت العرب من القاهرة والإستمتاع بصوت كوكب الشرق والمقامات الموسيقية العربية الأصيلة.

3)ـ أشار السيد الذاودي إلى أن التونسيين يستعملون على الأقل كلمة فرنسية من عشر كلمات عربية يتكلمونها بينهم وبغض النظر عن أنه لم يذكر كيف توصل إلى هذه النتيجة وما هي الآليات التي استعملها وما هي الشرائح الإجتماعية والمناطقية والمهنية التي درسها، بغض النظر عن كل هذا وحتى لو سلمنا بصحة استنتاجه فتبدو المبالغة واضحة في كلامه لأنه ببساطة أعطى الأهمية الكبرى ل 10% وتجاوز حقيقة أن 90 % من كلام التونسيين يبقى عربيا ويبقى الثابت في لسان التونسيين العربية واللغات الطارئة عليه تتغير من تركية إلى إيطالية إلي إسبانية إلى فرنسية وكل هذه اللغات حاضرة بدرجات متفاوتة في العامية التونسية.

4)ـ إدعى السيد الذاودي أن الإدارة التونسية اليوم تتعامل مع المواطنين بالفرنسية وهو إدعاء مغلوط فكل الإدارات العامة تتعامل بالعربية باستثناء البنوك. والقطاع البنكي في تونس فعلا قطاع متخلف ومن العناصر البارزة في تعطيل الدورة الإقتصادية واستعماله للفرنسية يعود لأسباب مختلفة أهمها، علاقة البنوك بالمواطن علاقة سطحية جدا وإلى وقت قريب جدا لم تكن موجودة من أصلها، ارتباط البنوك باستثمارت فرنسية بالأساس وباعتبار أن فرنسا هي الشريك التجاري الأول لتونس، والأهم هو ضعف المبادلات والخدمات البنكية المؤثرة في الهامش الربحي للبنوك بينها وبين المواطن التونسي البسيط بالإضافة إلى الكلفة المادية العالية لتعريب البرامج المعلوماتية دون نسيان المشاكل القانونية المترتبة عن ذلك.

5)ـ أما استعمال الفرنسية في التعليم العالي وخاصة في المجالات العلمية فهو مفهوم ومنطقي وباستثناء سوريا كل الدول العربية تدرس الطب مثلا باللغات الأجنبية وفي انتظار أن ننجب أحفادا للرازي وابن البيطار وابن الجزار تبقى الأولوية لتوفير طاقم طبي كفء قادر على توفير الرعاية الصحية عالية الجودة للمواطن بأي لغة كانت والحال أننا نستورد كل المعدات الطبية وآلات الكشف والفحص وكل الأدوية أيضا.

6)ـ استعمال الفرنسية وعلاقتها بالمكانة الإجتماعية ملاحظة صحيحة وهي ظاهرة غير صحية وتستحق فعلا دراسة جدية للوقوف على أسبابها لمعالجتها. ومن تجربتي الشخصية الأغلبية الساحقة من التونسيين لا يجيدون الفرنسية وحتى المتعلمين والمتخرجين الجامعيين لا يجيدون الفرنسية السليمة مقارنة مثلا بالجزائريين والمغاربة واستعمالهم للفرنسية استعمال غير وظيفي ومن هنا نفهم طغيان محاولة إبراز مكانة اجتماعية موهومة عند الأغلبية سواء كانت تتعلق بالحالة التعليمة في مقابل الجهلة أو القدرة الإقتصادية في مقابل الفقراء أو في المكانة الوظيفية العالية في مقابل البسطاء. هذه الظاهرة لها بعد تاريخي لا يمكن تجاهلة فمنذ الإستعمار إلى اليوم مرورا بالسياسات المركزية المدمرة التي انتهجتها الحكومة التونسية كان تملك الفرنسية عنوان الرقي الإجتماعي لأنه ببساطة يفضي مباشرة إلى الحصول على وظيفة عمومية وتتبع هذه الوظيفة عديد الإمتيازات. ولكن لا يجب أن ننسى أيضا البعد النفسي لهذه الظاهرة عند التونسيين عموما والحق أن التونسي ميال للمظاهر في المأكل والملبس والسلوك وطبعا في الكلام أيضا.

أعود وأؤكد أن التشبث بالهوية الحضارية واللغوية لا يجب أن ينسينا مواطن الخلل والضعف الذي نعيشه ولا ينبغي أن ينسينا واقعنا وتاريخنا القريب. نحن في تونس وفي المغرب العربي عموما خطونا خطوات كبيرة منذ اندحار الإستعمار وقطعا ما زال الكثير الذي يجب تحقيقه ولكن العاطفة المتوهجة وان ساهمت في الإستقلال فإنها تفقد معناها كلما رأينا شبابنا يلقي بنفسه للتهلكة في البحار لحاقا بمستعمر استشهد أجدادنا في محاربته.

نعم الفرنسية في تونس كانت اللغة الأولى
واليوم هي لغة ثانية
وغدا لغة ثالثة وربما رابعة.
ولك الحق في أن تنعم برؤية نصف الكأس الفارغ.

اللإحتياجات التنموية كانت ذريعة بورقيبية لجعل تونس تابعا ثقافيا للمستعمر وهي اليوم ذريعة المتمسكين بالفكر البورقيبي الذي اختصر الثقاقة والعلم والحداثة والتطور في كلمة واحدة : الفرنسة.
عندما تصل هيمنة الفرنسية إلى درجة:
1- إذاعة فسيفساء تتمسك بالفرنسية رغم التعليمات الواضحة من الرئيس بن علي بخصوص اللغة في الإعلام
2- اعتقاد الأطفال في تونس أن العديد من الكلمات الفرنسية عربية
3- عدم قدرة النخبة على التعبير دون الفرنسية
4- مغازات مثل مونوبري لا تكتب أنواع الأسماك إلا بالفرنسية
5-تلفت إنتباه البائع إذا دخلت دكانا وطلبت بطاقة "اتصالات تونس" ولم تطلب "تونيزي تلكوم"
والأمثلة لا تعد
قلا مجال ل " التشبث بالهوية الحضارية واللغوية" لأنها اندثرت وأصبحت فقط شبه هوية.

هذا حال تونس العاصمة وضواحيها أو أن الفرنسية قسمت البلاد والتونسي لا علم له .

الإحتياجات التنموية ليست ذريعة وإنما حقيقة تؤكدها الأرقام والشهادات الحية. ولن أناقش موضوع بورقيبة من جديد ولك رأيك أحترمه ولكن أختلف معه كليا. فقط سأعقب على الأمثلة التي ذكرت.

1)ـ الإذاعة التي ذكرت اسمها "موزاييك" وليس فسيفساء. بإمكاننا تعريب الكلمات ولكن اسم الإذاعة هنا هو علامة تجارية مسجلة عند المصالح المختصة ومدفوع ثمنها من طرف أصحابها وهي مملوكة من خواص وليست عامة. أغلب منشطيها يتكلمون العامية ومنهم من يتكلم الفرنسية ويبثون أغان عربية وفرنسية وانجليزية وهي موجة لشريحة الشباب ولست أدري لماذا تريد من الرئيس أن يتدخل في وسائل الإعلام وكأنك لا تعرف أن هذا التدخل هو سبب نفور التونسيين من كل وسائل الإعلام التونسية مرئية أو مسموعة أو مكتوبة. ولعلك لا تدري أنه حسب آخر الإحصائيات جاءت موزاييك في المرتبة الثانية من حيث نسبة الإستماع بينما حلت الإذاعة الوطنية الممولة والموجهة من قبل الرئيس وحكومته والمدفوع كل مصاريفها من مال الشعب جاءت في المرتبة الأخيرة ولعلك ستعجب من أن أغلب مستمعي الإذاعة من التونسيين( فاقدي الهوية والمتفرنسين حسب زعمك) يفضلون إذاعة الزيتونة الفتية التي جاءت في المرتبة الأولى من حيث نسبة المتابعة.

2)ـ لست على علم بأي دراسة ميدانية كشفت هذا الإعتقاد وحتى إن كان حقيقة عند بعض الشرائح فالأغلب أن الكلمات الفرنسية هي علامات تجارية لسلع يقبل عليها الأطفال ولو قمنا بنفس الدراسة في قلب باريس لوجدنا بعض الأطفال الفرنسيين يعتقدون أن كوكا كولا وماكدونالدز وما شابههما كلمات وأسماء فرنسية.

3) ـ لست أدري ما تقصد بكلمة " النخبة" ولكن ليس من قبيل المبالغة القول إن المثقفين والصحفيين والأطباء والمهندسين والمحامين والوزراء والفنانين التونسيين يمتلكون طاقات تعبيرية باللغة العربية الفصحى السليمة يقل نظيرها عند زملائهم العرب الآخرين من الرباط إلى بغداد ولك أن تختبر ذلك بنفسك فقط قم بجولة عبر التلفزات العربية. طبعا هذا ينطبق على الحوارات العامة وليست الحوارات التقنية المتخصصة كالندوات العلمية والتقنية وكالبحوث مثلا.

4) ـ أما في ما يخص مونوبري فهي أولا شركة فرنسية وثانيا أنت لم تجد من بين المئات من السلع غير أسماء السمك المكتوبة بالفرنسية لتعبر عن سخطك عن الفرنسية! ما دامت أسماء سلع أخرى مكتوبة بالعربية فربما هذه الأسماك مستوردة وربما ليست لها أسماء عربية. ثم لماذا لا تقتني حاجتك من السمك من عند "عم علي الحوات" وتضرب عصفورين بحجر واحد : تساعد عم علي و ترتاح من وجع رأس المتفرنسين.

5)ـ سؤال بسيط : لماذا تخشى لفت الإنتباه؟ من الذي سيدفع ثمن البطاقة أنت أم البائع؟ هذه هي الثقة بالنفس التي أشرت إليها سابقا.

أخيرا الفرنسية لم تقسم شيئا وهي أعجز من أن تقسم شبرا واحدا من هذا البلد فقط أقترح عليك أخي العزيز أن تخرج من العاصمة وضواحيها وتزور تونس.

1-اختيار اسم فسيفساء بالفرنسية لأول إذاعة خاصة كاف للتدليل على هويتها وبرنامحها,
تدخل الدولة ضروري ولنا الدليل الآن أن بعض وسائل الإعلام لا تحترم هوية البلاد بل وتساهم في تشويهها وقد يكون هذا مشروعا ممنهجا آخر بعد فشل المشروع البورقيبي في فرنسة تونس,
2- -كفانا استشهادا بفرنسا والفرنسيين فلا يعنيني أن يعتقد الطفل الفرنسي أن كوكا كلمة فرنسية ولا أعتبر ذلك مبررا لفرنسة الطفل التونسي .
3- لا نغطي عين الشمس بالغربال
4- سمك مونوبري ذكرته كمثال لا غير
5-أليس غريبا أن تبدو غريبا في بلدك وأنت تتكلم لغتك غير ممزوجة بالفرنسية؟
إن لم تلحظ ما أراه فذلك يعني أن الفرنسية قد بدأت في تقسيم تونس فشمالها بسبب الفرنسية لا يشابه وسطها وجنوبها,

1)ـ الإذاعة الخاصة ككل المشاريع هدفها تجاري أولا وإن كانت مادتها ثقافية ترفيهية. وهذا مال أصحابها وهم أحرار في التصرف فيه و لو لم تتمكن هذه الإذاعة من جلب المستمعين ومن ثمة الحصول على نسبة مربحة من سوق الإشهار فستفلس وتنتهي القصة. ثم لماذا الإعتراض على اسم موزاييك وتجاهلت مثلا أن أول قناة خاصة في تونس اسمها "حنبعل" وثاني قناة اسمها "نسمة" وثاني إذاعة خاصة اسمها "الزيتونة". وزارة الإعلام المقبورة هي التي دمرت وسائل الإعلام التونسي كما أن وزارة الثقافة غير المثقفة هي تدمر المشهد الثقافي في تونس ونفس الشيء ينطبق على الدول المغاربية والعربية عموما.

يبدو أنك مصر إلحاحا على رمي بورقيبة بكل قبيح. وتنسى أنه لولا بورقيبة لما أصبح لدينا اليوم قطاع صحي متطور جدا على صعيد مغاربي وعربي وافريقي ولولاه لما أصبحت اليوم نسبة التمدرس الإبتدائي تقارب 99%. ولولاه لما أصبحت أغلب هجرة التونسيين هجرة مختصين وتقنيين بعد أن كانت هجرة عمال حضائر في ليبيا و ماسحي شوارع في فرنسا.
وحتى إن كانت لبورقيبة نزعة علمانية متشددة أحيانا فقد فشل بفضل مناصري الهوية العربية الإسلامية لتونس، في صوغ دستور على هواه، وفي شطحة افطار رمضان مثلا وفي مسألة الميراث وكل ما يتعارض مع النص القرآني الصريح.
أخي الغزيز من السهل جدا أن نتكلم ....ولكن تبقى العبرة دائما بالخواتيم.

2)ـ ضربت مثل أطفال باريس لأنني شبه متأكد من أن أحد أتباع جان ماري لوبان لو وقع على دراسة مشابهة لأزبد وأربد وأقام الدنيا (وهو أعجز من أن يقعدها) في وجه أمركة الطفل الفرنسي.
النقطة التي أود لفت النظر إليها هي إن مسألة تأثر الأطفال بما يشاهدونه مسألة عالمية في ظل تحول العالم إلى قرية صغيرة. ولا يختلف الطفل التونسي في هذه النقطة عن الطفل الغيني أو الفرنسي أو الياباني.

3)ـ إن كنت غطاسا فهذا بحر القنوات الفضائية العربية أمامك.

4)ـ و بالمثل لم يكن "عم علي الحوات" إلا مثالا.

5)ـ الغريب هو من في غربته غريب. وتونس العاصمة ملأى بكل شيء فإن طلبت ما تحب وجدته وإن طلبت ما لا تحب وجدك.

أجد كلامك عن التقسيم مبالغا فيه جدا.

مع تحياتي.

تونس/تونيزي هو التقسيم
تونس بصدد التقسيم إلى تونس/تونيزي...تونيزي في الشمال... تونس في الجنوب
"الإذاعة الخاصة ككل المشاريع هدفها تجاري أولا وإن كانت مادتها ثقافية ترفيهية. وهذا مال أصحابها وهم أحرار في التصرف فيه و لو لم تتمكن هذه الإذاعة من جلب المستمعين ومن ثمة الحصول على ومن ثمة الحصول على نسبة مربحة من سوق الإشهار فستفلس وتنتهي القصة"
1- الإذاعة كفسيفساء التي يلمح اسمها إلى التجزئة وإن كانت خاصة فهي ليست فقط مشروع تجاري
1- فلتفلس فسيفساء بدل أن تفلّس البلاد من هويتها
2-أليس غريبا إن يجيب طفل تونسي بالفرنسية أن عمره أربع سنوات أمام الكاميرا؟
2- الإستعمار لا زال راكب عقولنا فلنتوقف على اعتبار فرنسا مرجعنا في كل صغيرة وكل كبيرة
3- فضل الفضائيات العربية على تونس كبير فهي التي كسرت شوكة القنوات الفرنسية التي لم تعد تذكر في الإجصاءات
4- عم على إن فتح دكان في بلد أجنبي فسيفرض عليه القانون استعمال لغة هذا البلد
5- علامات تقسيم تونس لا تخفى على المنتبه لما يحدث في بلده قبل الذي لا يقضي كامل وقته في تتبع ما يحدث في فرنسا
5- أتفم أن القبول بوجود علامات تقسيم تونس إلى تونس وتونيزي أمر صعب