الفرنكوفونية و الأنكلوفونية : "تحسبهم جميعا و قلوبهم شتى"

أبا صادقي يستخدم العرب مصطلح "الغرب" للدلالة على مزيج من الثقافات و الأمم الأوروبية و الأمريكية يحشرونها في مربع واحد. ذلك راجع إلى رسوخ مبدأ في الوعي العربي يتعلق بتداخل و توحد مصالح الدول الغربية ضد تطلعات العرب و المسلمين، و وقوف هذه الدولة ككتلة صماء واحدة في طريق النهضة العربية و الإسلامية. و الغرب "المسيحي"، كما يختزله البعض في بعده الديني لتمييزه عن البلاد الإسلامية، رغم ما يَغلي بداخله من صراعات و نزاعات و تجاذب في المصالح و تضارب في الأهداف، تظهر عليه علامات الوحدة و الاتفاق و الانسجام حينما يتعلق الأمر بتكوين موقف من قضية عربية أو إسلامية. لهذا السبب لا يفرق الإنسان العربي و المسلم، و له الحق في ذلك، بين غرب أوروبي و غرب أمريكي، لأن التجربة التاريخية الطويلة أثبتت أن أوروبا هي أمريكا و أمريكا هي أوروبا. النظرة الاختزالية إلى الأمم و الثقافات الغربية فرضه على العرب و المسلمين أيضا سلوك الغرب المتحيز و العنصري الذي يؤجل خلافاته الداخلية دائماً و يتستر عليها كلما واجه الأمة العربية و الإسلامية. لكن اختزال الغرب في كتلة واحدة دائمة الانسجام ليس صحيحا كما يتصور الكثير منا. و في القرءان الكريم ما يدل على هذا المعنى. ففي قوله تعالى في سورة الحشر (الآية 14) " بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى" ما يدل على أن أمم العالم المسيحي و اليهودي (الغرب في لغتنا المعاصرة) على الرغم مما يظهر عليها من علامات الإتحاد و من مظاهر الاتفاق و التضامن ليست دائماً على قلب رجل واحد. نعم هي أمم تجمعها عداوة العرب و المسلمين لكن تفرقها المصالح الاقتصادية و السياسات الثقافية و الأهداف الإستراتيجية. في هذه الأمور الحساسة و القضايا الجوهرية " لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا". صدق الله العظيم. و تماشيا مع الخط التحريري لهذه المدونة الرائعة، سنقف معكم على معالم "تشتت قلوب" الدول الغربية من داخل جبهة الصراع اللغوي بين "الفرنكفونية" و "الأنكلوفونية".

"اللغة : جبهة الصراع الكبرى في الغرب".

إن معالم الصراع و الصدام بين دول المنظمة الدولية للفرنكوفونية (فرنسا، كيبيك، بلجيكا و سويسرا و الدول الناطقة بالفرنسية في إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية). و مجموعة الدول الناطقة باللغة الانجليزية (الولايات المتحدة الأمريكية و مجموعة دول الكومنولث التي تتكون من المستعمرات البريطانية القديمة). كثيرة و متشعبة، تختلط فيها الأبعاد الثقافية و اللغوية المحضة بالمصالح السياسية و الإقتصادية و الأهداف الإستراتيجية.

و مما يدل على أن للغة شأن عظيم في النهضة و التنمية و الاستقلال كونها توجد في قلب الصراع الإستراتيجي بين القطبين اللغويين الكبيرين في العالم. فأدوات الصراع السياسي على توسيع رقعة النفوذ في العالم و المنافسة الاقتصادية على الأسواق الدولية تعتمد على الثقافة و بالذات على اللغة. هذا ما نلمسه في موقف فرنسا المتوجس من زحف اللغة الإنجليزية على مجال صناعة الثقافة و تكنولوجيا المعلومات و الإتصال، و هيمنتها المتعاظمة على العلاقات الدولية و على الإقتصاد العالمي. و السيطرة الأمريكية على هذه القطاعات الحيوية لا يهدد (فرنسا الدولة) و إنما يهدد (فرنسا اللغة و الثقافة). يوما بعد يوم، تسحب الأمركة بساط اللغة الفرنسية من تحت أقدام حلفاء فرنسا في الثقافة و اللغة. فرنسا متوترة جداً و هي تراقب انجذاب عقول و قلوب الجيل الجديد من أبناء المغرب العربي (بما فيهم الليبيين، الأعداء التقليديون للثقافة الأمريكية و لغتها) نحو الغرب الأمريكي و أسلوبه في الحياة و ثقافته الخفيفة و لغته الرشيقة بعدما كانت باريس قبلتهم الأولى و مهبط وحيهم. فرنسا تقرأ في ميلان الجيل المغاربي نحو لغة شكسبير كفر بجون جاك روسو و فولتير و مونتيسكيو و بثقافة "الأنوار" و قيم الجمهورية الفرنسية. و هذا تهديد تدرك فرنسا جيداً خطورته على وجودها على المدى البعيد.

لكن الدهاء الفرنسي و خبرة فرنسا العتيدة في تهدئة شعوب المستعمرات أيام الاحتلال، و حنكتها في أساليب محو الذاكرة اللغوية و تحويل الأنظار إلى الفرنسية "لغة المدنية و التحرر و الرقي الإجتماعي"، جعلتها اليوم تنتهج أسلوبا ينطوي على كثير من التضليل في توددها للشعوب الفرنكوفونية بعدما رأت تغلغل الإنجليزية في قلاعها اللغوية القديمة يحصد العقول و القلوب. يتجلى هذا الأسلوب في دق ناقوس الخطر و تحذير الشعوب الناطقة بالفرنسية في كل المحافل من خطورة اعتماد الازدواجية اللغوية، و حثهم مقابل ذلك على التعددية اللغوية. هي دعوة لغرض في نفس يعقوب كما ترون، لأن الهدف منها ليس التأكيد على مبدأ إنساني أنكرته فرنسا طوال الليل الاستعماري، و هو الإقرار بالتعددية اللغوية و احترامها و تنميتها. إنما الهدف محاربة الإنجليزية بالتشويش على مكانتها في العالم و إظهار أن التنميط اللغوي الذي تقوده أمريكا يهدد الإختلاف و التعددية و التعايش و يقضي على فرص التنمية و الإستقلال. لكن أين كان خطاب التعددية اللغوية حينما كانت فرنسا تدوس رقاب شعوب المغرب العربي و بلدان إفريقيا جنوب الصحراء و تفرض عليهم اللغة الفرنسية بعدما جعلت منها الطريق الوحيد للخروج من ظلمات الهمجية و البدائية إلى أنوار المدنية و التقدم و الحداثة ؟

اليوم و بعد أن بدأت اللغة الفرنسية في الإنحسار و التراجع إلى درجات أدنى حتى من العربية (العربية في المرتبة الرابعة في العالم و الفرنسية في المرتبة الثامنة) ظهر خطاب فرنكفوني جديد يدعو إلى التعددية اللغوية و نبذ الازدواجية (اللغة الإنجليزية و اللغة الوطنية). و هذا ترفضه فرنسا حتى في بلادها. إشارات متفرقة و سريعة تؤكد ذلك :

- الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حينما كان عمدة على مدينة باريس رفض تسليم رخصة إقامة مطعم ماكدونالز في برج أيفيل،
- يوجد في فرنسا قانون يمنع المذيعين و المذيعات من استخدام الكلمات الانجليزية أثناء عرض نشرات الأخبار،
- من بين توصيات "لجنة البحث حول سياسة اللغة الفرنسية" التي أحدثت بتاريخ 10/12/1980 في فرنسا نقرأ ما يلي :
* "خارج تدريس اللغات الأجنبية، يجب أن تكون الفرنسية لغة التدريس الوحيدة و لغة الامتحانات و المباريات و البحوث الجامعية".
* "المجلات الدولية المنشورة في الجامعات و مؤسسات البحث الفرنسية تصدر باللغة الفرنسية، و بلغات أخرى عند الضرورة. و لا يمكن لباحث فرنسي أن يقدم بحثا لهذه المجلات نصه الأصلي مكتوب بلغة غير اللغة الفرنسية".

و قد كان الهدف من تأسيس المنظمة الدولية للفرنكوفونية، كما تجلى ذلك بوضوح في مؤتمر القمة الفركوفونية الأول الذي عقد في باريس ما بين 17 و 19 فبراير 1986، "الدفاع عن توسع اللغة الفرنسية عبر العالم". و منذ تأسيس الحركة الفرنكوفونية رسمت هدفا مركزيا هو "حماية اللغة الفرنسية من عدوان اللغة الإنجليزية و تطلعاتها نحو الهيمنة على المبادلات الدولية".

و من الواجب التأكيد على أن الحركة الفركوفونية وضعت من بين أهدافها صيانة و تنمية اللغات الوطنية للبلدان الناطقة بالفرنسية. لكن الواقع أن الدفاع عن اللغة الفرنسية و تمكينها من وضعية عالمية مماثلة للغة الانجليزية استنـزف موارد و طاقات المنظمة الدولية للفرنكوفونية دون أن يكون لها ما تريد. فعدلت الخطة و اضطرت إلى الالتفات إلى الدفاع عن حق اللغات الوطنية في الحياة، و هو مبدأ ظل حبـرا على ورق إلى أن دعت المصلحة إلى تذكره. الدعوة التي تقودها فرنسا اليوم إلى تنمية اللغات الفرنسية لا يمت بصلة إلى قيم الجمهورية الفرنسية و لا إلى ثقافة الأنوار و لا إلى عالمية الفرنكوفونية، إنما الهدف منه مجابهة اللغة الإنجليزية التي لم تستطع قهر عدوانها لوحدها فلجأت إلى تحذير الدول الفرنكوفونية من خطر الذوبان في الطوفان البيئة الأمريكية الجذابة.

إليكم الآن نموذجا من هذا الخطاب الفرنكوفوني الجديد الذي يصارع اللغة الإنجليزية بالتلون بلون الدفاع عن التعددية اللغوية. و هو من أحد أعمدة الفرنكوفونية في العالم، حالفني الحظ لأن أكون ممن درس على يديه أيام كنت طالباً قبل سنتين في معهد دراسات الفرنكوفونية و العولمة IFRAMOND التابع لجامعة ليون الفرنسية. إسم هذا الرجل "ميشيل كييو" Michel Guillou و هو العميد السابق للوكالة الجامعية للفرنكوفونية، رئيس الشبكة الدولية لكراسي سنجور للفرنكوفونية و مدير معهد دراسات الفرنكوفونية و العولمة الشار إليه.

قبل شهر من انعقاد القمة الفرنكوفونية الأخيـرة في كيبيك (كندا) ما بين 17 و 19 أكتوبر 2008، بعث رسالة قوية إلى رئيس بلاده نيكولا ساركوزي يطلب منه إقناع الفرنسيين برفض الازدواجية اللغوية (الفرنسية – الإنجليزية). و أكد على أن من مصلحة فرنسا تجديد دعمها للتعددية اللغوية في البلدان الفرنكوفونية. و في إشارة إلى هيمنة اللغة الإنجليزية على المؤسسات الدولية طالب من القمة الفرنكوفونية ضرورة التأكيد على عدم الجدوى من وجود لغة دولية واحدة. و يأتي حديثه هذا في معرض الرد على وزير التربية في بلده "كزافيي داركوس" Xavier Darcos الذي عبر عن رغبته في أن يكون جميع خريجي أسلاك التعليم الثانوي في فرنسا مزدوجي اللغة. و قد سبق للوزير أن أصدر قرارا بتعميم التدريب المهني للطلبة باللغة الإنجليزية فقط مما أثار حفيظة هذا المناضل الفرنكوفوني العتيد. كما اعتبر السيد "كييو" Guillou في رده على الوزير أن هذا الأخير يحتل "موقعا متأخراً في الصراع الدائر حول العالم، لأننا لا نتجه نحو عالم مزدوج اللغة و إنما نحو عالم متعدد اللغات. و سيكون من الخطأ وضع كل ما نملك من بيض في سلة واحدة هي سلة الإنجليزية".

و حث الرئيس ساركوزي على العمل على أن تتخذ قمة الفرانكفونية بكيبيك الإجراءات الكافية "لإقناع الفرنسيين، ضدا على رغبة النخبة التي تذهب إلى حد رفض استخدام الفرنسية، على أن تقديم الفرنسية قربانا للغلة الإنجليزية عمل مخل بالمسؤولية و أقرب ما يكون من الإقدام على الانتحار، لأن القرن الواحد و العشرين سيكون قرن التعدد اللغوية على الصعيد العالمي". و حسب السيد "كييو" Guillou، ليس من المقبول أن تحتفظ اللغة الإنجليزية بمكانتها الحالية في السنوات القادمة. و لابد أن تواجه بالإسبانية و العربية و الصينية و البرتغالية و حتى الروسية. و ليس من المعقول الإقتصار على الفرنسية و الإنجليزية في تكوين الطلبة في الوقت الذي تلوح في الأفق بوادر بيئة متعددة اللغات. و يذكر أنه بداية من 2010، ستدرس اللغة الصينية في أزيد من 1000 معهد و بذلك ستنتشر قيم كونفوشيوس في العالم بأسره.

في نفس السياق أكد المسؤول الثاني في المنظمة الدولية للفرنكوفونية السيد "كليمون دوهايم" Clément Duhaime، و هو من كيبيك، أن الفرنكوفونية تدافع عن التعدد اللغوي كما هو شأن الإتحاد الأوروبي بأسره. و ذكر أن الفضل في تعيين الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كيمون لمبعوث خاص له حول التعدد اللغوي يعود إلى نشاط مندوبي الدول الفرنكوفونية في نيويورك. و قال "لو لم نكن نطرح هذا الموضوع بصفة دائمة للنقاش مع ممثلي اللغات الكبرى الأخرى في العالم المتداولة في الأمم المتحدة ما حصل شيء من هذا القبيل". عن طريق مجلة "لو دوفوار" الفرنسية عبر مؤخراً اللغوي الفرنسي المعروف "كلود هاجيج" Claude Hagège في معرض الرد على أقوال وزير التربية المشار إليها آنفاً، عن أمله في أن يتعلم جميع الطلبة الأوروبيون لغتين على الأقل فوق لغتهم الوطنية. و طالب ميشيل كييو أن تؤكد قمة كيبيك على هذا الإلتزام في الرسالة المبعوثة إلى الرئيس ساركوزي في شكل عريضة حملت توقيعات أبرز الشخصيات و المثقفين العاملين في مجال الفرنكوفونية التعاون.

"ماذا عن الإخوة العرب ؟"

نختم بالسؤال عن موقع الإخوة العرب من هذا الصراع اللغوي الحامي. عقول العرب و قلوبهم منقسمة في ولاءها للقطبين اللغويين، كما هي عادتهم دائما، إلى مشرق و مغرب بحكم تقاسم الأراضي العربية فيما مضى بين جيوش التاج البريطاني و ضباط الجمهورية الفرنسية. انشطار العرب إلى مجموعة شرق أوسطية موالية للغة شكسبير و مجموعة مغاربية موالية للغة جون جاك روسو لا تترك إلا فسحة جد ضيقة لبعث لغة كتاب الله في نفوس الأجيال الصاعدة. و هذا لوحده يكفي لإدراك حجم الأزمة اللغوية و الثقافية و التنموية التي يتخبط فيها العرب و المسلمون.

مشاركات القراء:

كاتب المقال: