قوم يغارون على لغتهم 2

قرأت لكم هذا المقال على موقع محيط العربي، وهو حوار لشيماء عيسى مع الكاتب الصحفي المصري شوقي حافظ، و أحب أن تشاركوني رأيكم:

العرب لا يهتمون بلغتهم ، بعكس شعوب العالم في أوروبا وأمريكا ودول آسيا حيث يبدأ الاهتمام باللغة الأم من التعليم الإلزامي ومرورا بكافة وسائل الثقافة والإعلام ، وهو اهتمام مشترك من الحكومات والأفراد إيمانا بأن اللغة عماد الهوية التي بدونها يصبح البشر تابعين للآخر تماما ومنسحقين فيه ، لا يتمكنون من رد فكره أو ثقافته لأن الأرض التي كانوا يقفون عليها هوت بالتدريج من تحت أقدامهم ، ونعني ثقافة الأمة وحضارتها. ولعلنا نلاحظ الميل للثقافة واللغة الأجنبية والتي ترتبط في أذهان الشباب العربي بالتقدم ومواكبة روح العصر .

وردا على تساؤل عن أسباب ضعف العربية عالميا ، أجاب الكاتب الصحفي المصري شوقي حافظ أن علماء اللغات والأنثروبولوجي يجمعون على أن اللغة مثل الكائن الحي تمر بمختلف مراحل النمو حتى تصل إلى درجة الاضمحلال والاندثار وهي مرتبطة بأساس أي مجتمع ونظامه السياسي والاقتصادي ، ومن هنا تكتسب اللغة عوامل قوة أو ضعف وفقا لمعايير التقدم والتأخر في المجتمع ككل .

ونجد أن المجتمعات التي تمتلك مشروعا نهضويا شاملا وتسير في اتجاه تحقيقه بثبات ، تتمتع بلغة حية قوية قادرة على فرض وجودها في محيطها الإقليمي وربما على مستوى دولي أيضا . والأمثلة على ذلك كثيرة ، كما أن ضعف اللغات الناتج عن تخلف المجتمعات الناطقة بها يمكن أن يصل إلى اضمحلال اللغة واندثارها مع من ينطقون بها .

وكنموذج تطبيقي لهذا القول نختار اللغتين العبرية والعربية ، فالأولى تحولت إلى مجرد لغة تستخدم في الصلوات داخل المعابد وانكمش تواجدها كلغة تعامل يومي بين الجماعات اليهودية في الشتات ، إلا أنها شهدت محاولات إحياء مكثفة كأحد ملامح الهوية اليهودية بعد إعلان دولة إسرائيل عام 48 ، وأصبحت لغة التعامل اليومي والرسمي والإبداع الأدبي في مختلف مجالاته .

ومع تنامي حركة الاستقلال الوطني في الوطن العربي أوائل الستينيات ، شهدت اللغة العربية إزدهارا غير مسبوق تمثل في حركة نشر نشطة وإبداعات في مختلف العلوم والفنون والآداب والمعارف الإنسانية وأنشطة مكثفة لمجامع اللغة العربية لتعريب ما يستجد في العلم والتكنولوجيا ، مع اهتمام كبير بمناهج تدريس اللغة العربية في المدارس والجامعات ، وحرص متزايد على استخدام اللغة الفصحى في مختلف وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية .

وكل هذا كان معادلا موضوعيا لبلد يمتلك مشروعا نهضويا يتمثل في تنمية شاملة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية ، ورؤية قومية تسعى للتحرر الحقيقي من الاستعمار بالتحول إلى مجتمعات إنتاجية تعتمد على مواردها الذاتية .

الآن انحسر المد القومي وتعرضت المنطقة لمحاولات إعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية بمختلف الوسائل بما فيها الاحتلال المباشر ، وأصبحت دولها سوقا واسعة لمنتجات الغير طبقا لاتفاقيات العولمة المجحفة بما أصاب المنتج الوطني بتدهور حاد وفقدت معه المزايا النسبية التي كانت تحظى بها وتحول المجتمع إلى الطابع الاستهلاكي ، والوجه الآخر لكل هذا هو اضمحلال اللغة والثقافة الوطنية بتأثير ثقافة الأقوى ، وزاد استخدام اللهجات المحلية وبعض مفردات من اللغات الأخرى ، وترافق مع هذا تقهقر مستوى التعليم العام والجامعي وقصور حاد في المناهج الدراسية التي لا تؤهل الطالب لاكتساب ملكة التفكير العلمي .

ولا حل للتدهور الحالي للغة العربية إلا بصحوة جديدة تقوم على مشروع نهضوي متكامل يرتكز على قاعدة إنتاجية وطنية صلبة ، وانفراجة ديمقراطية تؤمن بالتعددية وتداول السلطة وحماية حقوق الآخر و .. لن نتساءل في هذا الصدد مع نزار قباني في قوله : متى يعلنون وفاة العرب ومعهم لغتهم ، أو نقول مع أدونيس ببوار الحضارة العربية ، لكننا بحاجة إلى صحوة جديدة مثل طائر الفينيق ينبث حيا من بين نيران ورماد التخلف والتبعية والصراعات الطائفية والمذهبية و .. وقتها - فقط – تعود اللغة العربية الفصحى إلى مكانتها التي تليق بها !

كاتب المقال:

مشاركات القراء: