اللغة والقانون

كتبها عبد القادر الإدريسي في جريدة العلم

إن مفاهيم الديمقراطية و الحداثة والتجديد والتطوير تتعارض مع هيمنة لغة أجنبية على اللغة الوطنية، لأن جوهر هذه المفاهيم هو تطبيق القانون، والاحتكام اليه، واحترام الدستور والرجوع اليه والاستناد عليه، فليس من الحداثة انتهاك القوانين وعدم التقيّد بالدستور والتنكر لرموز الدولة، كما أنه ليس من الديمقراطية الحق التجاوز، عن اللغة الوطنية، وليس من التقدم والتطور أن تفرض فئة من المواطنين، مسؤولين كانوا أو غير مسؤولين في الدولة، لغة أجنبية على الجميع. فهذا وضع مخالف للقانون، ويتعارض مع إرادة الشعب الذي اختار الدستور وصوَّت له، وارتضاه قانونًا أسمى يعلو فوق كل القوانين.

إن الحداثة التي صارت اليوم تتردد على كل الألسنة، هي العمل بروح القانون والقطيعة تمامًا مع الفوضى وانتهاك القوانين، فهل يستقيم هذا الوضع الذي أصبحت تعيشه اللغة العربية في المغرب مع الحداثة والديمقراطية؟

لقد آن لنا أن ننظر الى حالة اللغة العربية في المغرب من زاوية قانونية، حتى نضع حدّا لهذه الحالة التي لا معنى لها ولا دلالة، إلا التسيب إن لم أقل ما هو أخطر من التسيّب. وإذا كنا ندعو الى تركيز دولة القانون والمؤسسات، وتجتمع الإرادة الوطنية على هذا الهدف المقدس، فإن من مقومات دولة القانون العمل بالدستور، حتى تكتسب كل الممارسات والتصرفات والأفعال والأقوال المشروعية القانونية، إذ أن كل إجراء أو تصرف أو ممارسة تخالف مقتضيات الدستور، يحكم عليها بالبطلان وتفقد المشروعية على وجه الإطلاق.

مثال ذلك، صدور الطبعة الفرنسية من الجريدة الرسمية الى جانب الطبعة العربية، إن صدور هذه الطبعة هو هدرٌ للمال العام بحكم انه مخالف للقانون وفاقد للمشروعية الدستورية. فجميع الدول تصدر الجريدة الرسمية بلغة الوطن، ولا تصدر منها طبعتان. كذلك الأمر بالنسبة للبطاقة الوطنية التي تكتب بلغتين وتلصق صورة المواطن فيها على وجه اللغة الأجنبية، إذ لا توجد بطاقة إثبات الهوية في دولة من الدول بلغة أجنبية.

هل الوقت مناسب للدعوة الى سنّ قانون لحماية اللغة العربية في المغرب على غرار القانون الذي صدر عن الجمعية الوطنية في فرنسا؟

إن المغرب مقبل على مرحلة جديدة من التطوير والتحديث، ومن المظاهر التي تنعش الآمال، الإعلان عن تأسيس )أكاديمية محمد السادس للغة العربية(. ومع التقدير البالغ لهذا المشروع الثقافي المهم، فإنني أرى أن استبدال )المجمع( ب )الأكاديمية( سيكون أفضل، خصوصا وأن في الدول العربية عددا من مجامع اللغة العربية، لأن الربط بين الاسم اللاتيني )أكاديمية( وبين )اللغة العربية( يلفت الانتباه، أليس كذلك؟

إني، ومعي الغيورون على لغة الضاد، نتطلع الى تحسين وضعية اللغة العربية بعد مباشرة أكاديمية محمد السادس للغة العربية أعمالها، وأرجو أن نعمل جميعا على إنقاذ لغة الوطن، وأن نعيد السيادة إليها حتى تكون لغة ذات هيبة ونفوذ وشأن عظيم، وبذلك نصحح الوضع، ونزيل هذا التناقض الذي فرض علينا.

كاتب المقال: