عن التجربة "الإسرائيلية" في التعليم

عن مقال لعزمي بشارة من جريدة الخليج الإماراتية

يكثر العديد من مدعي التنور العرب الحديث عن التفاعل بثقة مع العولمة بدل اعتبارها مؤامرة على العرب، والنهي عن الاحتجاج عليها والحث على الأخذ من الحضارة الإنسانية بفعل التفاعلات الكبرى الجارية في العلوم وفي اقتصاد السوق والحاجات الاستهلاكية وأنماط المعيشة وغيرها، وأن نسأل أنفسنا ماذا نقدم كحضارة للحضارة الانسانية في هذا العصر. وهذا حسن، ونحن نؤيد هذه النزعة لطرح هذا النوع من الأسئلة. ولكن كافة الشعوب والدول التي ترفض إدارة الظهر للعولمة العملية والتقنية والاقتصادية وتتفاعل معها وتتطور وتطوِّر مساهمتها من خلال ذلك بنماذج مثل اليابان وكوريا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وحتى “إسرائيل” العنصرية إنما تفعل ذلك بلغاتها هي. وتبقى الانجليزية لغة ثانية يفترض ان يتقنها المتعلمون طبعا.

ويبدو لي ان المجتمع الذي لا ينجز ذلك في بلده بلغته، لا يتفاعل مع العولمة في الواقع ولا يتطور معها بل يقلد ولا يبدع، ويكرس تخلفه وتخلف مجتمعه. من لا يتفاعل مع العولمة ولا يجاري التطور في الاقتصاد والعلم والفنون بلغته يبقى على هامش الحضارة الانسانية ولا يساهم فيها، بل وأكثر من ذلك يحجب التطور عن لغته ذاتها. فاللغة، ومعها المفاهيم والثقافة، لا تتطور اذا أقصيت من الاستخدام في المجالات الديناميكية المتطورة والمتغيرة باستمرار مثل العلوم والفنون والاقتصاد، وإذا اقتصر استخدامها على الأدب والمقالة والخطابة مثلا.

نحن نجد أنفسنا أمام وضع يتخرج فيه طالب جامعي من جامعته من دون أن يقرأ مقالا علميا واحدا بالانجليزية من جهة، ويتخرج آخر لا يتقن العربية من جهة أخرى ولم يستخدمها أصلا كلغة دراسة وتدريس منذ المدرسة الابتدائية. وكلاهما وجهان لنفس عملة التخلف العلمي والاجتماعي.

“حتى” في الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وكندا يتم التعليم والبحث والتدريس باللغة الأم، وهي في تلك الحالة اللغة الانجليزية. وعندما يستخدمها السكان لا يقلدون بذلك أحدا. إنها لغتهم الأم. وفي داخل كندا ذاتها، في إقليم كويبك يصر الناس على التعامل اليومي والرسمي والتدريس والتربية والبحث بالفرنسية.

يندب أبناء الطبقات الوسطى العليا العربية حال الجامعات والمدارس العربية ويتذمرون من وجود الجامعات “الاسرائيلية” الست من بين الألف المصنفة أولى في العالم، وغياب كافة الجامعات العربية عنها. ويعكف بعضهم على بناء مدارس وجامعات خاصة تدرِّس بلغات أخرى غير العربية معتقدين أن هذا هو الحل.

توجد في “إسرائيل” جامعات خاصة وجامعات رسمية تابعة للدولة. وجميعها تدرس بالعبرية، فقط بالعبرية. وسميت الجامعة الاولى الجامعة العبرية وليس اليهودية أو “الإسرائيلية”، نسبة الى اللغة والثقافة التي تريد احياءها وتطويرها من خلال التدريس بها والبحث العلمي بواسطتها. والجامعات الست المرموقة، بما فيها كلية الهندسة التطبيقية، هي الجامعة التابعة للدولة، لأن الدولة فقط تتمكن من رعاية البحث العلمي بهذه الكثافة، اما الجامعات الخاصة فهي كليات تدريس ومصانع شهادات في مواضيع مهنية غالبا. الحالة مختلفة في الولايات المتحدة طبعا حيث رأس المال المستثمر في التعليم الخاص والصناعة في الوقت ذاته، ولكن ليس هذا موضوعنا.

ولا توجد في “إسرائيل” مدرسة واحدة تدرس بغير العبرية إلا إذا كانت لأبناء العاملين في السفارات الاجنبية. فالعبرية في حالتهم ليس مجرد تواصل بل أداة بناء الأمة، وهي لغة لم تستخدم قرونا عديدة في الحياة اليومية، وعندما نفض عنها الغبار كانت أقدم وأقل مرونة وغنى من العربية بفعل تحنيطها في الكتب المقدسة والتلمود وبعض الشعر، ولكن استخدامها بهذه الكثافة في العلوم والفنون والتعامل اليومي وفي إنتاج الحداثة بشكل عام فتحها للتطور. ونحن لا نود التوقف كثيرا عند هذا الموضوع، بل نود أن نؤكد فقط أن كلاً من التعليم الرسمي والخاص يستخدم اللغة العبرية.

ليست الحالة “الإسرائيلية” نموذجاً يقتدى بالضرورة، ولكني أجلب هذا المثل لأن المتغرِّبين العرب عموما مندهشون من إنجازاتها رغم كونها كولونيالية، وتصل الدهشة أحيانا حد الإعجاب كتعبير كسول عن نفور من الحالة العربية، وذلك من دون معرفة بالتجربة “الإسرائيلية” ذاتها ومن دون استعداد لمواجهة استحقاقات مثل هذه التجربة.

خبراء التخطيط الأمريكيون أنفسهم الذين يمتدحون التجربة “الإسرائيلية” في التعليم أمام مستمعيهم العرب، لا يستوقفهم أن الطالب “الإسرائيلي” يخرج من هذه التجربة بانجليزية مكسرة ومضحكة كلغة ثانية، ويشجعون الانتقال للتدريس بالانجليزية عند العرب...نقطة للتفكير.

ومن معرفتي بمناهج التدريس الرسمية في مدارس لبنان والأردن ومناطق السلطة الفلسطينية فإني أعتقد أنها لا تقل جودة عن “الاسرائيلية” وحتى الامريكية، إن لم تكن اجود. ولا استبعد أن يسري هذا الحكم على دول عربية اخرى لا اعرف مناهجها. الفرق في حالة “إسرائيل” هو في الاستثمار المالي والاجتماعي الرسمي في التعليم، وحجم هذا الاستثمار من الميزانية، وتوزيع العبء التخطيطي بين البلدية والحكم المركزي واهتمام اولياء الامور.

وكلما زادت الفجوة الاجتماعية في “إسرائيل” نشهد مظاهر تردي التعليم كما في بلدان العالم الثالث وكما في حال المدارس المتوفرة لأبناء الطبقات الفقيرة في الولايات المتحدة. وعلى كل حال لا يكمن الحل باقامة مدارس جديدة للنخبة تدرس بمنهج آخر ولغة أخرى غير العربية، فهذا يفقر ويقلل الاهتمام بالتعليم العام، ويسحب منه الطلاب والمعلمين الجيدين والأكفاء ويفقر اللغة. وإذا كان هذا كله لا يكفي، نضيف الامر الجاد في الذي بدأنا به هذا المقال أنه يحول الفئات الاجتماعية المتفاوتة طبقيا الى ثقافات تكاد تكون شعوبا تتكلم لغات مختلفة وتتابين في الفضاء الثقافي والذوق والعاطفة وحتى بروح الدعابة. وطبعا تهيمن ثقافة الطبقة على من يقدم لها الخدمات حتى لو كان نادلا في مطعم أو سائقاً فإنه يجد نفسه يتكلم الإنجليزية المكسرة متباهيا دونما حاجة، لأن من يتكلم معهم يتقنون العربية مثله ولا يتقنون الانجليزية مثله ايضا.

لا يجارينا في هذا الوضع سوى الهنود. وقد يفطن أحدهم الآن بعد أن ذكرته فيعيرني قائلا أنت تناقض نفسك، فالأخيرون باتوا يبدعون في العلوم. هذا صحيح، ولكن الإبداع الرئيسي الذي يتفوقون فيه هو في علوم هي عبارة عن لغات قائمة بذاتها مثل الرياضيات وعلوم الحاسوب. وهنالك طبعا آلاف الهنود الذين يبدعون في العلوم والفنون والآداب سياق آخر ودول أخرى في الغرب مثل آلاف العلماء العرب الذين يبدعون في الخارج، يجري هذا في سياق ثقافي مختلف تماما، ولا يعني إطلاقا مساهمة عربية في العلوم والفنون. ولا يعني مساهمة في تطوير الثقافة العربية او المجتمع العربي. فمساهمة العربي التي نعتز بها في فرنسا أو أمريكا فرنسية أو أمريكية أو هي على الأقل جزء من التنوع القائم في فرنسا أو أمريكا، ومن إنجازات مؤسساتها الأكاديمية والثقافية، ولا مانع بعد ذلك من الافتخار لمن يريد.

أما النفور من العربية دون اتقان الإنجليزية ولا غيرها فهو مؤشر على إمكانية انحلال وليس دليل نهضة. والأهم من ذلك أن ما يجري دونما حاجة هو زرع بذور نبتة شقاق سامة بين ثقافتين متباينتين. ما فعله المستعمرون الفرنسيون في الجزائر حول الصراع الاجتماعي بعد عقود الى صراع ثقافي دموي ترافقه أزمات هوية حادة وردود فعل عصابية جماعية، نقوم نحن بصنعه بأنفسنا في مرحلة الانحلال هذه.

نقطة للتفكير.

كاتب المقال:

التعليقات

سيئ للغاية