المشهد المغربي - 1

عريض
تابعت عن كثب ولادة هذا الموقع ، وكان اهتمامي به بالغا منذ اللحظة الأولى ، لمقاصده أولا ، ولأنه ثانيا قد يكون فاتحة خير وبداية قد تحرك ركود الكثيرين وتشجعهم لحذو ذات المسار . ففي ظل الظروف التي نحياها وفي ظل العقلية المسيطرة المتسلطة التي ماتزال تكابر و توجه الأمور في اتجاه يعاكس المنطق والعقل لابد للأصوات العاقلة الرشيدة أن ترتفع ولدعواها أن تسمع وتنتشر .

وإذا كنت قد تأخرت عن المشاركة أو المساهمة في هذا الجهد المبارك فليس لتقاعس ولا ليأس من إمكانية التغيير إنما لأني بت من كثرة ما أتحدث في هذا الموضوع وأناقشه ، لانشغالي العميق به ، أشعر بأن كلامي أصبح مكررا معادا قد يستثقله القارئ أو يضيق به السامع ؟؟ لكنني ، ورغم ذلك ، قررت المساهمة ولو باليسير من الجهد ، مرة ومرة ومرارا بإذن الله لأنصر قضية عادلة محقة دون أدنى تحفظ أو تردد . فما نحياه من استلاب فكري وازدواجية ، فاقع لونها لا يسر الناظرين ، ليس وليد الصدفة ولا نبتا شيطانيا ظهر فجأة وعم الأرجاء والأجواء ، إنما هي سياسة رسمت ومنهج أعد تغذيه وتسهر عليه هيئات و أجهزة رسمية وخاصة ، داخلية وخارجية ، توفر له الدعم والمؤازرة والحماية إن لزم وتدفع به نحو الأمام . محتمية دوما بما تخوله لها مراكزها من حصانة وسلطة لا تتأتى للكثيرين .

ليس طبيعيا ، بأي حال ، أن يهجر الإنسان في موطنه لغته الأم ليتبنى لغة لا تمت له ولا لدينه أو تاريخه أو تراثه بصلة ، وهو ما يستتبعه تبنيه عادات ومعتقدات وثقافات أبعد ما تكون عن مقوماته الشخصية الخاصة ، وهو ما يحوله غالبا إلى كائن لا لون له ولا طعم ولا رائحة ؟؟
وليس طبيعيا أن ينحو المثقفون أو أشباه المثقفين نحو اعتبار اللغة الفرنسية لغة الصفوة الثقافة واعتبار اللغة العربية لغة الدهماء والعوام ؟؟ في الوقت الذي يعجز فيه جل هؤلاء الذين بعتبرون أنفسهم الصفوة عن قراءة بيت واحد من الشعر العربي ، الجاهلي مثلا ، دون أخطاء ويعجزون عن تكوين جملة سليمة واحدة مهما علت مناصبهم درجة .
هذه الأعراض غير الطبيعية التي يعانيها مجتمعنا المغربي والتي تشكل حالة مرضية مجتمعية تحتاج إلى علاج وجدت مناصرين لها ومؤمنين بها دونما تحفظ أو تفكير ، وكيف لا ، وهم يعيشون ذلك الواقع و يعايشوه كل لحظة من لحظات اليوم في الإدارة والمدرسة والشارع والبيت وفي الصحف والإذاعة والتلفزيون و..... ولعلنا أيها السادة لنا السبق بين الدول في أن نرى المسؤولين الكبار باختلاف تسمياتهم وبغض النظر عن مواقعهم يشاركون في افتتاح أو تدشين مشروعات للدولة في احتفالات يتلقون خلالها شرحا باللغة الفرنسية ويشاهدون أفلاما أو مجسمات أو لائحات توضيحية مكتوبة باللغة الفرنسية علما بأنها احتفالات لا يحضرها إلا المغاربة ؟؟؟؟ وهذا المشهد الهزلي المغربي الإخراج والتمثيل و المعروض على شاشات تلفزة المغرب الرسمية لكن بلغة ليست لغة البلاد الرسمية بات يتكرر كل يوم بشخوص تتنوع وما عاد يثير الدهشة ولا الاستغراب في أعين المشاهدين الذين ألفوا ما لا يؤلف أبدا .

هذا حال المغرب وهذا هو المشهد المغربي ؟؟؟ .

أما المشهد خارجه وفي أي مكان أنت تختاره من بقاع الأرض فسوف تجد حرصا وتمسكا متزايدين بلغة الدولة ولسان المواطن ، ليس من باب التعصب ولا العنصرية ولا الانغلاق على النفس كما قد يحلو للبعض أن يصور الأمر إنما هو اهتمام واحترام للذات وللهوية وللشخصية يلامس أبسط وأدق التفاصيل الحياتية للإنسان البسيط حتى أنك لا يمكن أن تقع يديك على أي منتج يباع من علبة الدواء أو المواد الغذائية إلى المعدات الكهربائية والاجهزة الالكترونية وحتى السيارت والشاحنات والمعدات الثقيلة إلا وتجدها تحمل بيانات المنتج ودليل الاستعمال والصيانة مدونة بلغة ذلك البلد يستوي الأمر إن كنت في فرنسا أو الصين أو الهند أو رومانيا أو حتى سري لنكا ........ ، ومهما تضاءل شأن هذا المنتج أو زهد ثمنه . وتلك سياسة تبنتها حتى دول الخليج العربي المجهرية التي لا يتعدى عدد سكانها عدد سكان حي من أحياء الدار البيضاء أو الرباط ؟؟؟ فإن كانت مساحتها ضاقت لأسباب لا دخل لها بها فقد اتسع أفق تفكيرها ورحب ففرضت شخصيتها ولغتها على كل من يصدر إليها إحتراما منها لمواطنها ، فإن كانت تجور عليه في كل الأمور الأخرى توقفت عند هذا الأمر ؟ وهو أمر لم نجرؤ نحن في المغرب على فعله حتى الآن .. وكيف يتأتى لحكومة لا تأبه بلغتها أن تطالب الآخرين التقيد باستعمال تلك اللغة ؟

مظاهر الاعتداد بالشخصية والهوية كثيرة وهي جميعها مفتقدة للأسف في بلادنا وقد استساغ جلنا الأمر بمرور الوقت حتى أنك حين تحاول تحريك هذه البركة الراكدة الآسنة تواجه برد فعل بارد مستغرب لما تقوله ؟ وكأنك تطالب بما لا يطالب به أو كأنك مغال أشد الغلواء في ما تنادي به فقد غدا الناس غير آبهين بحقوق لهم ما عادوا يرونها بحكم الوقت والممارسة حقوقا ؟

يتبع

كاتب المقال:

التصنيفات:

التعليقات

السلام عليكم.
أكبر مشكل يعيشه أغلبنا هو عدم تقديره لذاته وهويته، وذلك راجع بالأساس إلى غياب تربية وطنية صحيحة ننشأ بها منذ الطفولة. أظن أن هذا هو المشكل بالأساس.